فصل: الفصل العاشر في الأمر بالإتلاف:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحيط البرهاني في الفقه النعماني



.كتاب الغصب:

هذا الكتاب يشتمل على خمسة عشر فصلًا:
1- في نفس الغصب.
2- في حكم الغصب.
3- فيما لا يجب الضمان باستهلاكه.
4- في كيفية الضمان.
5- في خلط الغاصب مال رجلين أو رجل، أو مال غيره بماله، أو اختلط أحد المالين بالآخرين من غير خلط.
6- في استرداد المغصوب من الغاصب، وما يمنع من ذلك، وفيما يبرأ الغاصب به عن الضمان وما لا يبرأ.
7- في التسبب إلى الإتلاف.
8- قي الدعوى الواقع في الغصب، واختلاف الغاصب، والمغصوب منه والشهادة في ذلك.
9- في تملك الغاصب المغصوب، والانتفاع به.
10- في الأمر بالإتلاف.
11- في زراعة الأرض المغصوبة، والبناء فيها.
12- فيما يلحق العبد الغصب، فيجب على الغاصب ضمانه.
13- في غاصب الغاصب ومودع الغاصب.
14- في غصب الحر والمدبر، والمكاتب، وأم الولد.
15- في المتفرقات.

.الفصل الأول في نفس الغصب:

فنقول: الغصب شرعًا: أخذ مال متقوم محرم بغير إذن المالك على وجه ينفي يد المالك إن كان في يده أو تتغير يده إن لم يكن في يده، وإنه نوعان:
نوع يتعلق به المأثم، وهو ما وقع عن علم، ونوع لا يتعلق به المأثم، وهو ما وقع عن جهل، والضمان يتعلق بهما جميعًا؛ لأن الضمان لجبر الحق، والحق يفوت في الحالين على نمط واحد، وشرطه عند أبي حنيفة رضي الله عنه: كون المأخوذ منقولًا، وهو قول أبي يوسف آخرًا حتى إن غصب العقار عند أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر لا ينعقد موجبًا للضمان. استعمال عبد الغير غصب له حتى لو هلك من ذلك العمل ضمن المستعمل قيمته علم المستعمل أنه عبد الغير أو لم يعلم، بأن جاء إليه وقال: أنا حر فاستعمله، وهذا لما بينا أن ضمان الغصب لا يختلف بالعلم وعدم العلم، وهذا إذا استعمله في أمر من أمور نفسه.:
أما إذا استعمله في أمر نفسه لا يصير غاصبًا له، فقد ذكر في (فتاوى أهل سمرقند) أن من قال لعبد الغير: ارتق شجرة المشمش هذه لتأكل أنت، فوقع من الشجرة ومات لا يضمن الآمر، ولو قال: لآكل أنا وباقي المسألة بحالها يضمن، وما افترقا إلا؛ لأنه في الفصل الأول ما استعمله في أمر نفسه، وفي الفصل الثاني استعمله في أمر نفسه.
وسئل شمس الإسلام عمن استعمل عبد الغير أو جارية الغير، فأبق في الاستعمال، فهو ضامن بمنزلة المغصوب إذا أبق من يد الغاصب، ومن استعمل عبدًا مشتركًا، أو حمارًا مشتركًا بينه وبين غيره بغير إذنه يصير غاصبًا نصيب شريكه، وفي (أجناس الناطفي) في أمر الحبس الأول من كتاب (الدعوى) أن في استعمال العبد المشترك بغير إذن شريكه روايتان؛ عن محمد روى هشام عنه أنه يصير غاصبًا نصيب صاحبه، وروى ابن رستم عنه: أنه لا يصير غاصبًا، وفي الدابة يصير غاصبًا نصيب صاحبه في الروايتين ركوبًا وحملًا، وورد في زماننا من هذا الجنس فتوى من بعض البلدان.
وصورته: رجل كان يكسر الحطب، فجاء غلام رجل وقال: أعطني القدوم والحطب حتى أكسرها، فأبى صاحب الحطب ذلك، فأخذ الغلام القدوم منه، وأخذ الحطب وكسر بعضه، وقال: ائتِ آخر معي أكسر، فأتى صاحب الحطب، بحطب آخر فكسره الغلام، فضرب بعض المكسور من الحطب على عين الغلام، وذهبت عينه، فأفتى مشايخ زماننا أنه لا يكون على صاحب الحطب شيء؛ لأن صاحب الحطب لم يأمر الغلام بكسر الحطب، ولم يستعمله فيه، وإنما فعل العبد ذلك باختياره، فلا يكون على صاحب الحطب شيء.
وسئل أبو بكر عمن وجه جاريته إلى النخاس فبعثتها امرأة النخاس في حاجة فهربت، فعلى قول أبي حنيفة رضي الله عنه: الضمان على امرأة النخاس لا غير، وعلى قولهما؛ وإن شاء ضمن النخاس أيضًا كما عرف في أجير المشترك.
في (فتاوى أبي الليث): جارية جاءت إلى النخاس بغير إذن مولاها، وطلبت البيع، ثم ذهبت، ولا يدري أين ذهبت، وقال النخاس: رددتها على المولى، فالقول قول النخاس، ولا ضمان عليه، ومعنى ذلك أن النخاس لم يأخذ الجارية، ومعنى الرد أمره إياها بالذهاب إلى منزل المولى، أما إذا أخذ النخاس الجارية من الطريق، أو ذهب بها من منزل مولاها بغير أمره لا يصدق.
ركب دابة رجل في حال غيبته بغير أمره، ثم نزل عنها وتركها في مكانها، ذكر في آخر كتاب (اللقطة) أن عليه الضمان، وذكر الناطفي في (واقعاته) اختلاف الروايات، قال عنه: والصحيح أنه لا يضمن على قول أبي حنيفة؛ لأن غصب الدابة لا يتحقق من غير النقل، وعن أبي يوسف أيضًا في (المنتقى) أنه لا ضمان، وفي اختلاف زفر ويعقوب عن أبي يوسف أنه يضمن.
وصورة ما ذكر في (المنتقى): رجل قعد على ظهر دابة رجل، ولم يحولها عن موضعها، وجاء رجل آخر وعقرها، فالضمان على الذي عقرها دون الذي ركب إذا لم تعطب من ركوبه، وإن كان قد جحدها قبل أن تعقر، ومنعها من صاحبها، ولم يخرجها من موضعها، ثم عقرها هذا الآخر فلصاحبها الخيار؛ يضمن أيهما شاء، وقال: وكذلك من أخذ متاع إنسان في دار صاحب المتاع، ثم حجده فهو ضامن، وإن لم يخرجه من الدار، وإن لم يجحد، فلا ضمان عليه إلا إذا هلك من فعله أو أخرجه من الدار، وهذا استحسان.
وفيه عن أبي يوسف أيضًا: رجل دخل منزل رجل وحمل من بيت منه إلى بيت آخر من ذلك المنزل، أو إلى ضمن ذلك المنزل متاعًا، وإنما يسكن المنزل الرجل وغلمانه، فضاع ففي القياس: هو ضامن، وفي الاستحسان: لا ضمان إذا كان هذا الموضع في الحرز مثله، وسئل قاضي القضاة شمس الإسلام الأوزجندي عن إصطبل مشترك بين رجلين لكل واحد منهما فيه بقر، دخل أحدهما الإصطبل وشد بقر صاحبه حتى لا يضرب بقره، فحرن البقر، ويخنق بالحبل ومات قال: لا ضمان عليه إذا لم ينقله من مكان إلى مكان.
السلطان إذا أخذ عينًا من أعيان رجل، فرهن عند رجل، فهلك عند المرتهن؛ إن كان المرتهن طائعًا يضمن، ويكون للمالك الخيار بين تضمين السلطان والمرتهن، ويبنى على هذا الحال الذي يقال له جابي كبار إذا أخذ شيئًا رهنًا وهو طائع يضمن، وكذا الصراف إذا كان طائعًا يضمن، وصار الصراف والجابي مجروحين في الشهادة؛ ذكر الصدر الشهيد في الباب الأول من (وديعة واقعاته)؛ وقعت قلنسوة من رأس المصلي، فجاءها رجل، فإن نحاها حيث ينالها المصلي لا يضمن، وإن نحاها أكثر من ذلك يضمن.
في (واقعات الناطفي) (و) في (العيون): رجل دخل منزل رجل بإذنه، وأخذ إناءً من بيته بغير إذنه لينظر إليه، فوقع من يده وانكسر فلا ضمان إلا إذا كان نهاه صاحب البيت عن الأخذ قبل ذلك؛ لأنه مأذون في أخذه دلالة، ألا ترى أنه لو أخذ كوزماء، وشرب منه فسقط من يده وانكسر فلا ضمان عليه، ولو أتى سوقيًا يبيع أواني من زجاج أو غيره، فأخذ آنية بغير إذنه لينظر إليه فسقط من يده وانكسر ضمن؛ لأنه غير مأذون في أخذه لا نصًا ولا دلالة.
في (فتاوى أهل سمرقند) قدم إلى بياع الخزف وأخذ منه غضارة بإذنه لينظر فيها، فوقعت الغضارة من يده على غضارة أخرى، فانكسرت الغضارات، فلا ضمان عليه في المأخوذة؛ لأنها مأخوذة بإذن ويجب ضمان الباقيات. شرع في الحمام، وأخذ فنجانه وأعطاها غيره، فوقع من يد الثاني وأنكر فلا ضمان على الأول؛ إما أن يكون مستأجرًا، أو مستعيرًا، وللمستأجر أن يعير، وكذلك للمستعير أن يعير فيما لا يتفاوت الناس فيه.
في (المنتقى): رجل عنده وديعة لرجل، وهي ثياب، فجعل المودع فيها من ماله، ثم طلبها صاحب الوديعة، فدفع كلها إليه، فضاع ثوب المودع، فصاحب الوديعة ضامن له، قال: ثمة كل من أخذ شيئًا على أنه له، ولم يكن له فهو ضامن.
رجل أضاف رجلًا، فنسي الضيف عنده ثوبًا، فأتبعه المضيف بالثوب، فغصب الثوب غاصب في الطريق، قال: إن غصب في المدينة فلا ضمان على المضيف، وإن غصب خارج المدينة فهو ضامن.
في (نوادر ابن رستم): ضرب رجلًا حتى سقط ومات، ومع المضروب مال.... قال محمد رحمه الله: الضارب ضامن المال الذي كان مع المضروب، وكذلك يضمن ثيابه التي عليه إذا ضاعت؛ لأنه هو الذي استهلك ذلك كله. تعلق برجل وخاصمه، فسقط عن التعلق به شيء، وضاع ضمنه المتعلق.
في (فتاوى أهل سمرقند): بعث الرجل رجلًا إلى القصار ليأخذ ثوبًا له، فدفع القصار إلى الرسول ثوبًا، فضاع الثوب من يد الرسول، وظهر أن الثوب لم يكن للمرسل، وإنما كان لغيره؛ قال: ينظر؛ إن كان الثوب للقصار فلا ضمان على الرسول، وإن كان لغير القصار فرب الثوب بالخيار؛ إن شاء ضمن القصار، وإن شاء ضمن الرسول.
في غصب (المنتقى): بعث الرجل غيره إلى ما....، فأخذ المبعوث دابة الآمر وركبها، فهلكت الدابة في الطريق؛ إن كان بين الآمر والمبعوث انبساط في أن يفعل مثل ذلك فلا ضمان، وإلا فهو ضامن، في غصب (فتاوى أبي الليث): ارتهن خاتمًا، وجعله في خنصره، فضاع فهو ضامن؛ لأن هذا ليس معتاد، فيصير به غاصبًا. في (العيون): والخنصر اليمنى واليسرى سواء، وهو الصحيح؛ لأن بعض الناس يجعلونه في اليمنى، والبعض يجعلونه في اليسرى، وإن جعله في البنصر فقد ذكر شمس الأئمة السرخسي أنه لا ضمان؛ لأن هذا ليس بلبس معتاد بل هو للحفظ، فلا يصير به غاصبًا، وذكر شيخ الإسلام أنه ضامن، وسوى بين الخنصر والبنصر، والأول أصح، وإن جعله في خنصره فوق خاتم آخر، فالمروي عن محمد في بعض الروايات أنه لا ضمان، فذكر له عن بعض السلاطين أنه يلبس الخاتم فوق الخاتم، فقال محمد رحمه الله: يلبسه للختم، أشار إلى أن هذا اللبس ليس للتزين فلا يكون استعمالًا، فلا يكون غصبًا، وفي آخر كتاب (اللقطة): إن الرجل إذا كان معروفًا بلبس خاتمين للتزين فهو ضامن، وإلا فلا يضمن، وإن (كان) سيفًا فتقلده، صار ضامنًا، وكذلك إن كان متقلدًا سيفًا فتقلد بهذا، وإن كان متقلدًا سيفين فتقلد بهذا لا يضمن بالإجماع.
سكران ذاهب العقل دفع ثوبه في الطريق، والسكران نائم في الطريق، جاء رجل وأخذ ثوبه ليحفظه في مكان، فهلك الثوب في يده فلا ضمان، ولو كان الثوب تحت رأسه، والمسألة بحالها ضمن، في (فتاوى سمرقند): إذا أخذ القلنسوة من رأس رجل فوضعها على رأس رجل آخر، فطرحها الآخر من رأسه فضاعت، فإن كانت القلنسوة بمرأى من غير صاحبها وأمكنه رفعها، وأخذها فلا ضمان على واحد منهما؛ لأنه حصل الرد إلى المالك، وإن كان بخلاف ذلك فصاحب القلنسوة بالخيار؛ إن شاء ضمن الآخذ، وإن شاء ضمن الطارح.
زق انفتح فمر به رجل، فإن لم يأخذه، ولم يدن منه فلا ضمان عليه، وإن أخذه ثم تركه، فإن كان المالك غائبًا فهو ضامن، وإن كان حاضرًا فلا ضمان، وعلى هذا إذا رأى إنسان ما وقع من كم غيره.
في (فتاوى أبي الليث) عن خلف بن أيوب، عن محمد بن الحسن رحمهم الله: رجل أدخل دابته في دار رجل، فأخرجها صاحب الدار فضاعت، فلا ضمان عليه، ولو وضع رجل ثوبًا في دار رجل، فرمى به صاحب الدار، فضاع فهو ضامن؛ لأن كون الدابة في الدار ضرر لصاحب الدار، فهو بالإخراج يدفع الضرر عن نفسه، ولا كذلك الثوب في الدار.

.الفصل الثاني في حكم الغصب:

فنقول: للغصب حكمان: أحدهما: وجوب رد العين ما دام على حاله لم يتغير، قال عليه السلام: «على اليد ما أخذت حتى ترد» والتغير نوعان: قد يكون من حيث الزيادة، وقد يكون من حيث النقصان، وقد يكون بفعل الغاصب، وقد يكون بفعل غيره، وقال محمد رحمه الله في (الأصل): إذا غصب من آخر ثوبًا، فصبغه أحمر أو أصفر فصاحب الثوب بالخيار؛ إن شاء ضمن الغاصب قيمة ثوبه الأبيض، وكان الثوب للغاصب، وإن شاء أخذ الثوب وضمن للغاصب ما زاد الصبغ فيه؛ لأن الصبغ مال متقوم للغاصب، قائم في الثوب، ويقدر اتصال منفعة كل واحد منهما إلى صاحبه على الانفراد، فلابد من ترجيح أحد الجانبين، فرجحان جانب صاحب الثوب؛ لأنه صاحب الثوب؛ صاحب أصل، وإن شاء ضمنه قيمة الثوب الأبيض، وترك الثوب عليه حتى لا يلزمه زيادة غرم، وهو قيمة الصبغ، وإن شاء أخذ الثوب، وضمن قيمة ما زاد الصبغ فيه، فيصل إلى مالك الثوب عمن حقه، وإلى صاحب الصبغ مالية حقه، وفيه خيار آخر، وهو أن يترك الثوب على حاله، والصبغ على حاله، ويباع الثوب، ويقسم الثمن بينهما على قدر حقيهما.
وإن صبغه أسود، ثم جاء رب الثوب كان له أن يضمن الغاصب، وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه، وقال أبو يوسف ومحمد: السواد بمنزلة العصفر، وهذا اختلاف زمان، وقيل: السواد يزيد في قيمة بعض الثياب، وينقص من قيمة البعض، فإن كان المغصوب شيئًا ينقص بالسواد فالجواب ما قال أبو حنيفة رضي الله عنه، وإن كان يزيد فالجواب ما قالا، ولم يذكر في (الكتاب) ما إذا نقص عصفر الثوب بأن كان قيمة الثوب ثلاثون فعاد قيمته إلى عشرين، وقد يكون لون عصفر نقصانًا في الثوب.
وروى هشام عن محمد: أنه ينظر إلى قيمة الصبغ في ثوب يزيد فيه، فإن كان قيمته خمسة فلصاحب الثوب أن يأخذ ثوبه، ويأخذ خمسة دراهم؛ لأن صاحب الثوب استوجب على الغاصب عشرة، والغاصب استوجب عليه قيمة الصبغ خمسة، فصارت الخمسة بالخمسة قصاصًا، بقي نقصان الثوب بقدر خمسة بلا جابر، وكذلك السواد على هذا، ولو غصب من آخر ثوبًا وقصره؛ كان لصاحب الثوب أن يأخذ الثوب، ولا يضمن للغاصب شيئًا؛ لأنه لم يتصل بالثوب شيء من مال الغاصب.
وإذا غصب سويقًا ولته بسمن ثم حضر المالك فله الخيار؛ إن شاء ترك السويق مع أن السويق من ذوات الأمثال، بعض مشايخنا قالوا: المراد فهو من القيمة المذكورة في (الكتاب) المثل، أو إن كان المراد حقيقة القيمة فهو محمول على ما إذا انقطع السويق، وبعضهم قالوا: إن كان المراد حقيقة القيمة فهو محمول على الرواية التي لا تجوز بيع السويق بمثله، فإن في بيع السويق بمثله روايتان؛ وإن شاء أخذ السويق وضمن سمنًا مثل سمن الغاصب.
وإذا غصب ثوبًا وقطعه قميصًا، ولم يخطه، فله أن يأخذ ثوبه، وضمنه ما نقصه القطع، وإن شاء ترك الثوب عليه وضمنه قيمته، حتى المسألة تبنى على مسألة أخرى أن من خرق ثوبًا لغيره إن كان الخرق فاحشًا، فصاحب الثوب بالخيار؛ إن شاء ترك الثوب عليه، وضمنه جميع قيمة الثوب، وإن شاء أخذ الثوب وضمنه النقصان، وإن كان الخرق يسيرًا كان المهلك يضمن النقصان لا غير.
واختلف المتأخرون في الحد الفاصل بين الخرق اليسير وبين الفاحش؛ بعضهم قالوا: إن أوجب نقصان ربع القيمة فصاعدًا فهو فاحش، وإن كان دون ذلك فهو يسير، وقال بعضهم: إن أوجب نقصان نصف القيمة فهو فاحش وما دونه يسير، وبعضهم قالوا: الفاحش ما لا يصلح لثوب ما، واليسير ما يصلح، قال شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده رحمه الله: قالوا: ما ذكر من التحديد من هذه الوجوه الثلاثة لا يصح بدليل مسألة قطع القميص على الوجه الذي قلنا.
والثوب بعدما قطع قميصًا يصلح للقميص إن كان لا يصلح للفساد أمثاله، والساقط من القيمة أقل من النصف ومن الربع مع هذا اعتبره محمد رحمه الله فاحشًا، والصحيح من الحد على ما قاله محمد رحمه الله أن الخرق الفاحش ما يفوت بهم بعض العين، وبعض المنفعة بأن فات جنس منفعته، وبقي بعض العين وبعض المنفعة، واليسري من الخرق ما يفوت به شيء من المنفعة، وإنما يفوت الجودة، ويدخل يسير نقصان في المالية، قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: وقد قيل: يرفع في ذلك إلى الخياطين، وأهل الصناعة إن عدوا ذلك نقصانًا فاحشًا فهو فاحش، وإن عدوا ذلك نقصانًا يسيرًا (فهو يسير)، وقال بعضهم: إن كان طولًا فهو فاحش، وإن كان عرضًا فهو يسير؛ قال رحمه الله: والقول الأول أصح.
جئنا إلى مسألة قطع القميص فنقول: قطع القميص خرق فاحش؛ لأنه يفوت به بعض المنافع، وفي الخرق الفاحش صاحب الثوب بالخيار؛ لأن استهلاك من وجه دون وجه، فإن شاء مال إلى جهة الاستهلاك وضمنه القيمة، وإن شاء مال إلى جهة القيام وضمنه النقصان.
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: القطع أنواع ثلاثة: قطع فاحش غير مستأصل للثوب، وهو باتفاق الحكم فيه ما ذكره، وقطع يسير، وهو أن يقطع طرفًا من أطراف الثوب فلا يثبت فيه الخيار للمالك؛ بل يضمنه النقصان، وقطع فاحش مستأصل للثوب، وهو أن يجعل الثوب قطعًا لا تصلح إلا للخرقة، ولا يرغب في شرائه، وروي عن أبي حنيفة رضي الله عنه في هذا الفصل أن للمالك الخيار؛ إن شاء ترك القطع عليه وضمنه القيمة، وإن شاء أخذ القطع ولا شيء له، وعندهما: له أن يأخذ الثوب ويضمنه النقصان.
وهذه المسألة فرع مسألة الديات؛ إذا قطع يدي عبد إنسان قال الشيخ الإمام السرخسي رحمه الله: والحكم الذي ذكرنا في الخرق في الثوب من تخير المالك إذا كان الخرق فاحشًا، وإمساك الثوب، وأخذ النقصان إذا كان الخرق يسيرًا، فهو الحكم في كل عين من الأعيان إلا في الأموال الربوية فإن التعييب هناك فاحشًا كان أو يسيرًا، فهو الحكم في كل عين مثلًا كان لصاحبها الخيار بين أن يمسك العين، ولا يرجع على الغاصب بشيء، وبين أن يسلم العين له ويضمنه مثله أو قيمته؛ لأن تضمين النقصان يتعذر؛ لأنه يؤدي إلى الربا، وإذا قطع الثوب قميصًا، أو لم يخطه، فإن خاطه ينقطع حق المالك.
وإذا غصب دابة وقطع يدها أو رجلها فلا خيار للمالك فيها، ويضمنه القيمة ويترك الدابة عليه، وكذلك لو كانت شاة أو بقرة، فذبحها أو قطع يدها، أو رجلها كان الجواب كذلك، قال شمس الأئمة الحلواني: ويستوي أن تكون الشاة للغاصب أو غيره وهو الصحيح، فقد روي في رواية أخرى في مأكول اللحم للمالك الخيار، ولم يذكر محمد رحمه الله في مسألة الشاة ما إذا أراد المالك أن يأخذ الشاة بعد الذبح، ولا يضمنه النقصان هل له ذلك؟ وروى الحسن عن أبي حنيفة رضي الله عنه أن له ذلك، قال شيخ الإسلام: وقد ذكر محمد في كتاب (الغصب) ما يدل على هذا، فإنه قال: ضمن.
غصب عصيرًا فصار خلًا عنده، ثم جاء المالك كان بالخيار، إن شاء ضمن عصيرًا مثل عصيره، وإن شاء أخذ الخل، وبعدما صار خلًا لم يبق فيه شيء من منافع العصير، كالشاة بعد الذبح، ثم أثبت للمالك حق الأخذ إن شاء، فهذا يدل على أن في الشاة المذبوحة له ذلك؛ لأن الذبح والسلخ زيادة، وقال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: والصحيح أنه ليس له ذلك، أشار إلى أن حق المالك ينقطع بمجرد الذبح، وإنه يخالف ظاهر الرواية.
وفي (المنتقى): هشام عن محمد رحمه الله: رجل قطع يد حمار أو رجل حمار وكان لما بقي قيمة فله أن يمسكه، ويأخذ النقصان، ولا يسلم إليه الجلد، فإن كان لجلد الحمار ثمن فله ذلك، وإن كان قتله فليس له ذلك، قال هشام: لأن ذبحه بمنزلة الدباغ.
وفي (النوادر): إذا قطع أذن الدابة أو بعضه يضمن النقصان، وجعل قطع الأذن من الدابة نقصانًا يسيرًا، وكذلك لو قطع ذنبها يضمن النقصان، وعن شريح رحمه الله: إن قطع ذنب حمار القاضي يضمن جميع القيمة، وإن كان لغيره يضمنه النقصان لا غير.
استهلك قلب فضة إنسان وأحرقه؛ يضمن قيمته مصنوعًا من الذهب؛ لأن الصناعة في مال الربا تضمن مع الأصل بالإتلاف كالجودة، ولا يمكن إيجاب قيمته مصنوعًا من جنسه؛ لأنه ربا ولا يمكن إيجاب مثله مصنوعًا؛ لأنه ليس من ذوات الأمثال، فيتعين إيجاب القيمة مصنوعًا من خلاف الجنس، فإن وجده صاحبه مكسورًا فهو بالخيار؛ لأن الكسر عيب فاحش، وإن رضي به لم يكن له فضل ما بين المكسور والصحيح؛ لأنه ربا، وإذا أراد القاضي أن يضمن الغاصب قيمته ضمنه مصنوعًا من الذهب، وكذلك كل إناء مصنوع كسره رجل إن من فضة فعليه الذهب.
وإن كسر درهمًا أو دينارًا، فعليه مثله والمكسور للكاسر، قال شيخ الإسلام: قال مشايخنا: هذا إذا كان الكسر ينقص من ضربه، وأما إذا كان الكسر لا ينقص من ضربه ليس له إلا ذلك المكسور؛ لأن ما هو المقصود من الدراهم والدنانير تام بعد الكسر على حاله لم ينقص، وهذا كما قلنا من كسر رغيف إنسان ليس لصاحبه إلا المكسور لما قلنا هاهنا، قال شمس الأئمة السرخسي: عليه مثله، وإن شاء صاحبه أخذه، ولم يرجع عليه يشيء، سواء انتقصت ماليته بالكسر أو لم تنتقص.
غصب من آخر جارية شابة، فكانت عنده حتى صارت عجوزًا، فإن لصاحبها أن يأخذها وما نقصها، وكذلك لو غصب غلامًا شابًا، فكان عنده حتى هرم أخذه صاحبه وما نقصه، وهذا إذا كان النقصان يسيرًا، فإن كان فاحشًا يخير المالك بين الأخذ والترك، وعليه أكثر المشايخ، ولو غصب صبيًا فشب عنده، أو نبت شعر وجهه فصار ملتحيًا، أخذه صاحبه، ولا يضمنه شيئًا. ولو غصب جارية ناهدة الثديين، فانكسر ثديها عنده ضمن النقصان.
ولو غصب عبدًا محترفًا فنسي ذلك عند الغاصب كان ضامنًا للنقصان، ولو غصب ثوبًا فعفي عنده أو اصفر، أخذه المالك وما نقصه، وهذا إذا كان النقصان يسيرًا، فأما إذا كان كثيرًا يخير بين الأخذ والترك، وإن كان المغصوب مكيلًا أو موزونًا فعفن عند الغاصب فعليه مثله، وهذا الفاسد للغاصب، وإن شاء أخذ الطعام العفن ولا شيء له، وإنما كان كذلك؛ لأن تضمين النقصان في المكيلات والموزونات يؤدي إلى الربا؛ لأنه يصل إليه مثل وزنه وكيله وزيادة، فتكون الزيادة بإزاء الجودة، والجودة في مال الربا لا قيمة لها بانفرادها، والاعتياض عما لا قيمة له ربا، وفي الثياب لا يكون ربًا؛ لأن الزيادة تكون بإزاء الجودة، والاعتياض عن الجودة في الثياب جائز.
غصب فضة وضربها دراهم أو صاغها إناءً، أو غصب ذهبًا فضربه دنانير، أو صاغه إناءً؛ قال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا ينقطع حق المالك بل يأخذ الذهب والفضة، ولا أجر للغاصب، وقال أبو يوسف ومحمد: ينقطع حق المالك، ويعطيه مثل ذهبه، وإن غصب دراهم وسبكها، ولم يضرب منه شيئًا، فإنه لا ينقطع حق المالك بلا خلاف.
فوجه قول أبي يوسف ومحمد: أنه أحدث صنعة متقومة، واستهلك المغصوب من وجه، أما إذا ضربها دراهم؛ لأنه كسرها؛ لأن ضرب الدراهم لا يتأتى إلا بعد الكسر، وأما إذا صاغها إناءً، فلأنه أخرجه من الثمنية؛ لأنه قبل هذا لا يتعين بالتعيين، والآن يتعين.
وأبو حنيفة رضي الله عنه يقول: الاستهلاك لم يوجد، ومجرد الصنعة بدون الاستهلاك من وجه لا يوجب انقطاع حق المالك، وإنما قلنا: لم يوجد الاستهلاك؛ لأن الاستهلاك من وجه بتفويت بعض الأعيان، أو بتفويت جنس المنفعة، وبضرب الفضة دراهم لم يثبت شيء من العين؛ لأن قيام العين في الذهب والفضة بقيام الوزن، والوزن على حاله، ولم يثبت جنس المنفعة؛ لأن منفعتها الثمنية، والثمنية قد ازدادت بالضرب دراهم، وكذلك بجعلها إناءً لم تفت العين، ولم تفت منفعة الثمينة، بل انتقصت مع الثمنية، وبالنقصان لا ينقطع حق المالك.
ولو غصب صفرًا وجعل كوزًا انقطع حق المالك، وكان الكرخي رحمه الله يقول: هذا إذا كان بعد الصنعة لا يباع وزنًا، أما إذا كان يباع وزنًا ينبغي أن لا ينقطع حق المالك عند أبي حنيفة رضي الله عنه كما في النقرة، قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: والصحيح أن الجواب مطلق؛ بخلاف النقرة عند أبي حنيفة رضي الله عنه.
وإن كسر صاحب الصفر الكوز بعدما ضمن الغاصب قيمة صفرته، أو قبل أن يقضى له بالقيمة، قال: عليه قيمة الكوز صحيحًا، ويأخذ الكوز، قال شمس الأئمة الحلواني: ولا يقع المقاصة بين الضمانين؛ لأن ما وجب لصاحب الصفر على الغاصب ضمان المثل؛ لأنه يضمنه مثل وزنه من الصفر، وما وجب للغاصب على صاحب الصفر ضمان القيمة، وهو قيمة الكوز، فكانا من جنسين، فلا تقع المقاصة بينهما، قال في (الكتاب): إلا أنه يحاسب بما عليه بعض مشايخنا قالوا: مراده من هذا إذا اصطلحا على شيء، فيكون استبدالًا فيجوز، أما بدون ذلك لا يجوز، لما بينا أن ما وجب لصاحب الصفر على الغاصب ضمان المثل، وما وجب للغاصب على صاحب الصفر ضمان القيمة، وبعض مشايخنا قالوا: تأويله إذا كان المغصوب صفرًا ليس له بديل حتى وجب قيمة الصفر، فتقع المقاصة.
غصب من آخر مصحفًا ونقطه فهي زيادة، وصاحبه بالخيار؛ إن شاء أعطاه ما زاد ذلك فيه، وإن شاء ضمنه قيمته غير منقوط، وهذا قول محمد رحمه الله، وروى العلاء عن أبي يوسف أنه يأخذ بغير شيء، كرجل غصب غلامًا، وعلمه الكتاب.
في غصب (المنتقى): غصب من آخر كاغدةً وكتب عليها، ذكر شيخ الإسلام أنه ينقطع حق المالك، وذكر القاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي رحمه الله فيه اختلاف المشايخ، قال رحمه الله: والصحيح أنه لا ينقطع.
غصب من آخر قطنًا وغزله ونسجه، أو غصب غزلًا ونسجه، ينقطع حق المالك، ولو غصب قطنًا وغزله ولم ينسجه، ففيه اختلاف المشايخ، والصحيح أنه ينقطع.
غصب حنطة وطحنها، فقول أبي حنيفة ومحمد فيها معروف، وعن أبي يوسف ثلاث روايات؛ في رواية مثل ما قالا، وفي رواية قال: يزول ملكه، ولكن لا يسقط حقه عنه، وتباع العين في ديّته وهو أحق بذلك من جملة الغرماء إن مات، وفي رواية قال له أن يأخذ الدقيق، ويرأ الغاصب عن الضمان.
غصب دقيقًا وخبزه، أو لحمًا فشواه، أو سمسمًا فعصره، ينقطع حق المالك في ظاهر رواية أصحابنا، وكذلك إذا غصب ساجة، وجعلها بابًا، أو حديدة وجعلها سيفًا، ينقطع حق المالك، ويضمن قيمة الحديدة والساجة، وجميع ذلك للغاصب، وكذلك لو غصب ساجة أو خشبة، وأدخلها في بنائه أو غصب آجرًا وأدخله في بنائه أو جصًا..... فعليه في ذلك كله القيمة، وليس للمغصوب منه أن ينقض البناء، ويأخذ الساجة والخشبة، والآجر والجص.
ولو غصب ساجة وبنى عليها لا ينقطع حق المالك، وكان له أن يأخذها، وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي يحكي عن الكرخي أنه ذكر في بعض كتبه تفصيلًا فقال: إن كانت قيمة الساجة أقل من قيمة البناء، ليس له أن يأخذها، وإن كانت قيمة الساجة أكثر، فله أن يأخذها، وكذا في الساجة إذا كانت قيمتها أقل من قيمة البناء، لا يأخذ الساجة، وإذا كانت قيمة الساجة أكثر من قيمة البناء له أن يأخذ الساجة، وقال: المراد بما ذكر في (الكتاب) ما قلنا، وزعم أن هذا هو المذهب، قال مشايخنا: وهذا قريب من مسائل حفظت عن محمد رحمه الله أن من كان في يده لؤلؤة، فسقطت اللؤلؤة، فابتلعتها دجاجة إنسان ينظر إلى قيمة الدجاجة واللؤلؤة، إن كانت قيمة الدجاجة أقل يخير صاحب اللؤلؤة إن شاء أخذ الدجاجة، وضمن قيمتها للمالك، وإن شاء ترك اللؤلؤة، وضمن صاحب الدجاجة قيمة اللؤلؤة، وكذلك لو أودع رجلًا فصيلًا، فكبر الفصيل حتى لا يمكن إخراجه من البيت إلا بنقض البناء ينظر إلى أكثرها قيمة، ويخير صاحب الأكثر، وستأتي مسألة الدجاجة واللؤلؤة، ومسألة الفصيل بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ولم يذكر في (الأصل) ما إذا أراد الغاصب أن ينقض البناء، ويرد الساجة هل يحل له ذلك؟ وهذا على وجهين: إن كان القاضي قضى عليه بالقيمة لا يحل له نقض البناء، وإذا انتقض لم يستطع رد الساجة، وإن كان القاضي لم يقض عليه بالقيمة؛ اختلف فيه المشايخ؛ بعضهم قالوا: يحل وبعضهم قالوا: لا يحل لما فيه من تضييع المال من غير فائدة.
غصب من آخر دارًا ونقشها بهذه الأصباغ بعشرة آلاف، ثم جاء صاحب الدار أقول له: إن شئت فخذ الدار، وأعط الغاصب ما زاد الأصباغ فيه، فإن أبى جعلت الدار للغاصب بقيمتها إذا كان يبلغ الأصباغ شيئًا كبيرًا، ولم ترتث هكذا روى هشام عن محمد رحمه الله، واستشهد عليه بدجاجة ابتلعت لؤلؤة؛ قال هشام: سمعت أبا يوسف يقول في هذه المسألة: يقال لصاحب الدار: أعطِ الغاصب ما زاد النقش في دارك، فإن أبى أمر به بقلعه، وضمنه ما نقص القلع.
وفي (القدوري): غصب من آخر دارًا وجصها ثم ردها، قيل لصاحبها: أعطِ ما زاد الجص فيها إلا أن يرضى صاحب الدار أن يأخذ الغاصب جصه، قال هشام: قلت لمحمد رحمه الله: رجل وثب على باب مقلوع، ونقشه بالأصباغ، قال: سبيله سبيل الدار، قلت: وإن كان نقشه بالنقر وليس بالأصباغ قال: فهذا مستهلك للباب، وعليه قيمته، والباب له، قال: وكذلك لو نقش إناء فضة بالنقر.
قال هشام: وسألت محمدًا عن رجل غصب أرضًا، وغرس فيها أشجارًا فَغَلُظَ وبلغ، قال: إن كان قلع الأشجار يفسد الأرض، فصاحب الأرض بالخيار؛ إن شاء أعطاه ما زاد الأشجار في أرضه بالغًا (ما بلغ) وإن شاء أخذه فقلعه وضمنه النقصان، وإن كان قلع الأشجار لا يفسد الأرض ولكن ينقصها شيئًا، فإنه يأخذ الأرض، ويقلع الأشجار ويضمنه النقصان، وليس لصاحب الأرض أن يقول: أنا آخذ الأشجار ولا أقلعها، وأعطيه قيمتها، إنما له أن يعطيه قيمتها إذا كان القلع يفسد الأرض.
غصب خمر مسلم وخللها، قال في (الكتاب): لرب الخمر أن يأخذها، واختلف المشايخ فيه قال بعضهم: تأويل المسألة ما إذا خللها بشيء لا قيمة له بأن نقل من الشمس إلى الظل أو من الظل إلى الشمس أو ألقى فيه شيئًا يسيرًا من الملح أو الخل، بحيث لا قيمة له، أما إذا ألقى فيه خلًا أوله قيمة عند أبي حنيفة يصير الخل ملكًا للغاصب، ولا شيء عليه، وأما على قول أبي يوسف ومحمد؛ إن كان ألقى فيه الملح أخذه المالك، وأعطاه ما زاد الملح فيه، وإن كان ألقى فيه الخل فهو بينهما على قدر كيلهما.
ويستوي إن صبت من ساعتها أو بعد حين، وبعض مشايخنا قالوا: إن كان الذي صبَّ فيها خل كثير، حتى صار خلًا من ساعته، فهو كله للغاصب، وإن كان قليلًا، وصار خلًا بعد حين، فهو بينهما على مقدار كيلهما، وبعض مشايخنا قالوا: إن خلله بما ليس له قيمة أخذه مجانًا، وإن خلله بما له قيمة أخذه وأعطاه ما زاد الملح والخل فيه.
وإذا غصب عصيرًا فصار خمرًا عنده، فله أن يضمنه مثله إن كان في حينه، وقيمته إن كان في غير حينه، ولو أراد أن يأخذ الخمر، ولا يضمنه؛ هل له ذلك؟ اختلف المشايخ فيه، قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله. والصحيح أنه ليس له ذلك وقال بعضهم: له ذلك، وهكذا ذكر الكرخي في (كتابه) عن أبي يوسف.
ثم إذا كان له حق الأخذ على قول هؤلاء؛ لو أراد أن يضمنه النقصان مع ذلك ليس له ذلك، وذكر في (القدوري) عن أبي يوسف: أن من غصب عصيرًا فصار عنده خلًا، أو لبنًا حليبًا، فصار عنده مخيضًا، أو عنبًا فصار زبيبًا، فالمغصوب منه بالخيار؛ إن شاء أخذ ذلك بعينه، ولا شيء له غيره، وإن شاء ضمنه مثله وسلم ذلك إليه؛ لأنه قد انتقص في يد الغاصب وتعيب ولا يمكن النقصان مع أخذ العين؛ لأن هذه الأعيان تجري فيها الربا، فلم تكن الجودة بانفرادها متقومة، فإذا أخذ العين سقط حق التضمين، وإن شاء ضمنه المثل.
وإذا غصب جلد ميتة ودبغه، إن دبغه بما لا قيمة (له)، فإنه يأخذه مجانًا، وإن دبغه بما له قيمة أخذه، وأعطاه ما زاد الدباغ فيه. قال القدوري في (كتابه): هذا إذا أخذ الجلد من ميتة له ودبغه، أما إذا ألقى صاحب الميتةِ الميتةَ في الطريق، فأخذ رجل جلدها، ودبغه بما لا قيمة له، فليس للمالك أن يأخذ الجلد.
وللغاصب أن يحبس الجلد حتى يصل إليه قيمة ماله. ولو أراد صاحب الجلد أن يترك الجلد على الغاصب ويضمنه قيمة الجلد ليس له ذلك، ولو كان المغصوب جلد ذكي كان له ذلك.
قال مشايخنا: هذا الفرق بين جلد الميتة وبين جلد الذكي ذهب إليه الحاكم الشهيد، والجواب في الميتة وفي الذكي واحد، للمالك أن يترك الجلد عليه، ويضمنه قيمة جلده.
وفي (القدوري): لو أن الغاصب جعل هذا الجلد أديمًا أو وقرًا أو جرابًا لم يكن للمغصوب منه على ذلك سبيل؛ لأنه تبدل الاسم والمعنى بصنع الغاصب، فكان هو أولى. فإن كان الجلد ذكيًا، فله قيمته يوم الغصب، وإن كان جلد ميتة فلا شيء له.
وفيه أيضًا: لو غصب خمرًا وخللها، ثم استهلكها، فعليه خل مثله؛ لأنه صار خلًا على ملك مالكه. وإذا غصب ترابًا ولبّنة، أو جعله آنية، فإن كان له قيمة، فهو مثل الحنطة إذا طحنها، وإن لم يكن له قيمة فهو له، ولا شيء عليه من الضمان؛ لأن الضمان إنما يقام مقام العين عند تقومه، وفي كل موضع ينقطع حق المالك، فالمغصوب منه أحق بذلك الشيء من بين سائر الناس حتى يستوفي حقه، فإن ضاع ذلك ضاع من مال الغاصب، ولا يكون هذا بمنزلة الرهن، هكذا ذكر في (المنتقى). وفي (القدوري) أن المغصوب منه يكون أسوة للغرماء في الثمن، ولا يكون أخص بشيء من ذلك.
وفي (المنتقى): ابن سماعة في (نوادره) عن محمد: رجل هشم طستًا لرجل، وهو مما يباع وزنًا، فرب الطست بالخيار؛ إن شاء أمسك الطست، ولا شيء له، وإن شاء دفعه وأخذ قيمته وكذلك كل إناء مصنوع. وإن كان مما لا يباع وزنًا كالسيف، فكسره رجل كان عليه ما نقصه، فإن جاء آخر، واستهلك السيف المكسور كان عليه حديد مثله، قال من قبل أنه يجوز للرجل أن يبيع سيفًا بدراهم وحديد مثل السيف، ولا يجوز أن يبيع طستًا يباع وزنًا بدراهم وصفر مثل وزن الطست. قال في (المنتقى) أيضًا: وإذا باع الرجل شيئًا من غيره، ثم إن البائع فعل بعض ما وصفنا كل شيء كان الغاصب فيه مستهلكًا، ولم يكن للمغصوب منه أن يأخذه، فكذا ليس للمشتري أن يأخذه، وكل شيء لم يكن الغاصب فيه مستهلكًا، وكان للمغصوب منه أن يأخذه، فللمشتري أن يأخذه.
وفي (العيون): غصب من آخر عبدًا قيمته خمسمائة فخصاه فصار يساوي ألف درهم، نص عن محمد أن صاحب الغلام بالخيار؛ إن شاء ضمنه قيمته يوم الخصاء خمسمائة، وإن شاء أخذ الغلام، ولا شيء له، وقال بعض المشايخ: يقوم الغلام بكم يشترى للعمل قبل الخصاء، ويقوم بعد الخصاء فيرجع بفضل ما ينتهي، قال الصدر الشهيد حسام الدين رحمه الله: وهذان الجوابان خلاف ما حفظنا في المسائل المختلفة، فالمحفوظ فيها أن صاحب الغلام بالخيار؛ إن شاء ترك الغلام على الغاصب، وضمنه قيمته بخمسمائة، وإن أراد أخذ العبد يقوم العبد قبل الخصاء للعمل، ويقوم بعد الخصاء للعمل، فيرجع بنقصان ما بينهما؛ لأن هذه الزيادة حدثت بناء على رغبات فاسدة فيتأمل عند الفتوى، هذا كله بيان أحد حكمي الغصب.
جئنا إلى بيان الحكم الآخر، وهو وجوب الضمان حال عجز الغاصب عن رد العين، فنقول: المغصوب نوعان: مثلي الكيل والوزن الذي ليس في تبعيضه ضرر، والعددي المتقارب كالبيض والجوز والفلوس الرائجة، وما أشبه ذلك من العدديات التي لا تتفاوت أفراده وغير مثلي كالذرعيات والحيوان والعدديات المتفاوتة، والوزن الذي يضر تبعيضه، فإن كان غير مثلي فهلك في يد الغاصب بآفة سماوية أو بفعل الغاصب، أو بفعل غيره وجب عليه قيمته يوم الغصب، وإن كان مثليًا وجب عليه مثله إلا إذا وقع العجز عن رد المثل، وذلك بالانقطاع عن أيدي الناس، فحينئذٍ يصار إلى القيمة.
ثم إن عند أبي حنيفة تعتبر القيمة يوم القضاء والخصومة، وعند أبي يوسف تعتبر قيمته يوم الغصب، وعند محمد تعتبر قيمته في آخر يوم كان موجودًا وانقطع، ثم إن مشايخنا استثنوا من الموزونات الناطف المبرز، والدهن المربى فقالوا بضمان القيمة فيهما؛ لأن الناطف يتفاوت بتفاوت البزر، وكذلك الدهن المربى.
وإن كان المغصوب مثليًا فلقيه في بلد آخر والمغصوب قائم في يده والقيمة في هذا البلد مثل القيمة في بلد الغصب أو أكثر منها، فالمغصوب منه يأخذ المغصوب، وليس له أن يطالبه بالقيمة، وإن كان سعره في هذه البلد أقل من سعره في بلد الغصب فالمغصوب منه بالخيار؛ إن شاء أخذه في هذا البلد بقيمته في بلد الغصب، وإن شاء انتظر؛ لأنه يأخذ العين.
وإن كان يصل إليه عين حقه ولكن مع ضرر لحقه من قبل الغاصب، فكان له أن لا يلتزم الضرر، ويطالبه بقيمة ذلك البلد، وإن شاء انتظر بخلاف ما إذا وجده في البلد الذي غصب فيه، وقد انتقص السعر حيث لا يكون له الخيار؛ لأن النقصان ما حصل بفعل الغاصب بل هو مضاف إلى قلة رغبات الناس، فأما إذا نقله إلى بلد آخر، فالنقصان مضاف إلى فعل الغاصب. وهذه الجملة في (القدوري).
ومن هذا النوع مذكور في (المنتقى) وصورته: غصب من آخر دواء بالكوفة وردها عليه بخراسان فإن كانت قيمتها بخراسان أقل من قيمتها بالكوفة فالمغصوب منه بالخيار؛ إن شاء أخذها، وإن شاء أخذ قيمتها بالكوفة، وإن كانت قيمتها بخراسان مثل قيمتها بالكوفة أمر المغصوب منه بأخذها؛ قال: وكذلك الخادم، وكل ماله حمل ومؤنة إلى ذلك الموضع قال: وكذلك ما كان..... إلا الدراهم والدنانير، فإنه يأخذها حيث وجدها، وليس له أن يطالبه بالقيمة؛ لأنها الأثمان التي تجري عليها بياعات الناس، ومعناه أن معنى الثمنية لا يختلف باختلاف الأماكن، فلا يطالبه لغيره، وإن شاء أخر المطالبة؛ لأنها حقه.
وإن كان المغصوب مثليًا، وقد هلك في يد الغاصب، فإن كان السعر في المكان الذي التقيا مثل السعر في مكان الغصب، أو أكثر يدين برد المثل، وإن كان السعر في هذا المكان أقل، فهو بالخيار؛ إن شاء أخذ قيمة العين حين غصب، وإن شاء انتظر؛ لأنه إذا رد في المكان الذي طالبه به يستضر به، فإن اختلاف القيمة في المكانين لأجل الحمل والمؤنة، فصار كما لو كانت العين قائمة، ونقلها إلى بلدة أخرى، فكان بالخيار؛ إن شاء أخذ القيمة، وإن شاء انتظر، وإن كانت القيمة في مكان الخصومة أكثر، فالغاصب بالخيار؛ إن شاء أعطى مثله، وإن شاء أعطى قيمته حيث غصب؛ لأن المالك لا يستحق إلا الرد في مكان الغصب، فلو ألزمناه تسليم المثل هاهنا يستضر الغاصب، فإنه أدركته زيادة قيمة لا يستحق المغصوب منه، وفي التأخير إلى العود إلى مكان الغصب إضرار بالمغصوب منه، فقلنا: فإنه يسلم القيمة في مكان الغصب إلا أن يرضى المغصوب منه بالتأخير، وإن كانت القيمة في المكانين سواء كان للمغصوب (منه) أن يطالب بالمثل؛ لأنه لا ضرر على واحد منهما، هذه الجملة في (القدوري).
وفي (المنتقى): غصب من آخر كرًا من طعام يساوي مائة، ثم صار يساوي مائة وخمسين، ثم انقطع عن أيدي الناس، وعز وارتفع، وصار لا يقدر على مثله، وصار يساوي مائتين، ثم استهلكه الغاصب، فللمغصوب منه أن يضمنه مائتي درهم قيمته يوم استهلكه؛ لأنه حين انقطع من أيدي الناس صار بمنزلة عرض لا مثل له غصبه رجل فزادت قيمته، ثم استهلكه، فله أن يضمنه قيمته يوم استهلكه إن شاء، ولو كان غصب الكر، وهو يساوي مائتين، ثم صارت قيمته مائة وخمسين، ثم انقطع من أيدي الناس، ثم صارت قيمته مائة، ثم استهلكه الغاصب، فللمغصوب منه أن يضمنه قيمة مائة وخمسين آخر ما كان موجودًا في أيدي الناس، وليس له أن يضمنه أكثر من ذلك.
وذكر ابن رستم عن محمد في (نوادره) إذا أحرق كدس رجل إن كان البر إذا كان في السنبل أقل قيمة منه إذا كان خارجًا فعليه القيمة، وإن كان خارجًا أكثر قيمة، فعليه بر مثله وعليه وفي الحل القيمة.
وفيه أيضًا: رجل غصب كدسًا فداسه، ثم أقام المغصوب منه قال: لا يقضى له بالبر كله، وبقيمة الحل؛ لأنه غيره عن حاله، فهو كبر طحنه. وفيه أيضًا: عن محمد رجل غصب من آخر حنطة، فلا شيء على الغاصب؛ لأنه لا قيمة لها، فقيل: لو أن رجالًا غصبوا حبة حبة، فبلغ ذلك قفيز حنطة، قال أبو يوسف: قوم.... ما له قيمة، ضمنتهم قيمته، فإذا جاء برجل بعد رجل لم أضمنهم شيئًا؛ لأن كل إنسان إنما غصب منه ما لا قيمة له، ولو كانت في حبة حنطة قيمة، ما حل لأحد أن يلتقط النوى، وكان عليه أن يعرفها؛ لأنه لقطة. وإذا استهلك المغصوب، وضمنه القاضي القيمة ينظر؛ إن كان ذلك الشيء يباع في السوق بالدراهم (يقوم بالدراهم)، وإن كان يباع بالدنانير يقوم بالدنانير، وإن كان يباع بهما، فالقاضي مخير.
في شرح كتاب الصرف في باب الغصب الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف: رجل غصب بيضة وأتلفها فعليه مثلها، وهذا آخر قوله، وكان قوله الأول القيمة. في (المنتقى)، وفيه أيضًا بشر عن أبي يوسف: رجل غصب شاة وحلبها ضمن قيمة لبنها، وإن غصب جارية، فأرضعت ولدًا له لا يضمن قيمة اللبن، وحكاه في موضع آخر من هذا الكتاب، عن أبي حنيفة رضي الله عنه.
وفيه أيضًا هشام عن محمد رحمهما الله قال أبو حنيفة رضي الله عنه: رجل غصب من آخر لحمًا، واستهلكه، فعليه قيمته، وفيه كلمات أخر عرفت في كتاب البيوع، استهلك سرقين إنسان يجب عليه القيمة؛ لأنه ليس بمثلي؛ لأنه لا يكال ولا يورث إنما يحمل أوقارًا فيضمن بالقيمة؛ ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله أن رد مثل المغصوب ومثل المستهلك في الموضع الذي وجب المثل يجب في موضع الغصب والاستهلاك، وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن ضمان الجناية لا تجب في موضع الجناية، وإنما يجب في موضع الخصومة.
استهلك ثوبًا لرجل وجاء بقيمته، فقال رب الثوب: لا أريدها، ولا أجعلك في حل، فللغاصب أن يرفع الأمر إلى القاضي حتى يجبره على القبول، وإن لم يرفع الأمر إلى الحاكم، ووضع القيمة في حجره يبرأ وإن وضعه بين يديه لا يبرأ.

.الفصل الثالث فيما لا يجب الضمان باستهلاكه:

كسر بيضة أو جوزة لغيره، فوجد داخلها فاسدًا، فلا ضمان عليه؛ لأنه ظهر أنه ما استهلك مالًا، وكذلك لو كسر درهم إنسان، ثم ظهر أنه ستوق، فلا ضمان عليه لما قلنا. إذا أفسد تأليف حصير إنسان، فإن أمكن إعادته كما كان أمرناه بالإعادة؛ لأنه قادر على رده كما أخذ، فصار كمن غصب سلمة إنسان.................. يؤمر بإعادة التركيب؛ لأن الإعادة ممكنة فيؤمر بالإعادة، وإن لم يمكنه الإعادة كما كان سلم له المقبوض، وضمن قيمة الحطب صحيحًا؛ لأنه عجز عن الرد كما أخذ فيصار إلى القيمة.
وإذا حل شراك نعل غيره، فإن كان النعل من النعال التي يستعملها العامة لا شيء عليه؛ لأنه لا مؤنة في إعادة شراكه، وإن كان النعل غريبًا فإن كان لا ينقص سيره، ولا يدخله عيب لو أعيد يؤمر بالإعادة، ولا يضمن شيئًا، وإن كان ينقص سيره، ويدخله عيب لو أعيد يضمن النقصان.
وفي (واقعات الناطفي): نزع باب دار إنسان عن موضعه أو حل سرج إنسان، أو جاء إلى ثوب... الحائك، نسجه فنشره حتى أعاده إلى الحالة الأولى، فكل ما كان مؤلفًا، فنقض تأليفه، فالجواب فيه على الحق كما ذكرنا في النعلين والحصير.
في (النوازل) هدم جدار رجل، ثم بناه الهادم قبل أن يضمن القيمة؛ إن بناه كما كان فلا ضمان عليه؛ لأنه أعاد الأول كلًا، فصار كمن فتق مخيط إنسان، ثم خاطه إذا دخل على صاحب، دكانه بإذنه فعلق بثوبه شيء مما في دكانه، فسقط لا يضمن، هكذا ذكر في (واقعات الناطفي) وتأويله الصحيح: أن السقوط لم يكن بفعله ويده.
دفع إلى خياط كرباسًا ليخيط له قميصًا، فخاط قميصًا فاسدًا، وعلم صاحب الثوب بالفساد، فلبسه مع ذلك، فلا ضمان؛ لأنه لبسه مع العلم رضاءً بالفساد، ويعلم عن هذه المسألة كثير من المسائل.
إذا ذبح شاة إنسان لا يرجى حياتها ضمن، والراعي والبقار في مثل هذا لا يضمن، هكذا ذكر الصدر الشهيد في الباب الأول من شركة (واقعاته).
وجواب محمد رحمه الله في (الأصل) أن الراعي يضمن، وهو القياس في المسألة في باب إجارة الراعي، فالصدر الشهيد رحمه الله، فرق بين الراعي والبقار وبين الأجنبي، فضمن الأجنبي، ولم يضمن الراعي والبقار، والفقيه أبو الليث رحمه الله سوى بينهما فقال: لا يضمن الأجنبي كما لا يضمن الراعي لوجود الإذن بالذبح في هذه الحالة في حق الكل.
وكذلك الجواب في البعير؛ لأن الذبح في هذه الحال لإصلاح اللحم، وأما في الحمار والبغل، فلا يذبح؛ لأن ذبحهما ليس لإصلاح اللحم، وفي الفرس أيضًا لا يذبح؛ لأن ذبحه ليس لإصلاح اللحم عند أبي حنيفة رضي الله عنه؛ لأن كراهته كراهة تحريم عنده وهو الصحيح.
إذا رفع التراب من أرض الغير إن لم يكن للتراب قيمة في ذلك الموضع إن انتقص الأرض برفعه ضمن النقصان، وإن لم ينتقص فلا شيء عليه، فلا يؤمر بالكثير، وإن قال به بعض العلماء، وإن كان للتراب قيمة في ذلك الموضع ضمن قيمته تمكن في الأرض أو لم يتمكن.
في (أدب القاضي) للخصاف في آخر باب اليمين: الصراف إذا غمز الدراهم وكسرها ضمن، إلا إذا قال المالك: اغمز، في غصب (العيون)، وكذلك دفع إليه قوسًا، وقال له: أده فمده فهده، وانكسر؛ يضمن إلا إذا قال له مدة في هذه الموضع أيضًا.
وفي صرف (المنتقى): عن أبي يوسف في الصيرفي إذا انتقد الدراهم بإذن صاحبها فغمز درهمًا فانكسر، قال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا ضمان، وقال أبو يوسف: إن كان الناس إنما يعرفون الدراهم بالغمز فلا ضمان.
والمختار للفتوى أن صاحب المال إن أمره بالغمز فلا ضمان، وإن لم يأمره بالغمز، فإن كان الناس إنما يعرفون الدراهم بالغمز، فلا ضمان عليه أيضًا، ويثبت الإذن بالغمز دلالة إذا كانت الحالة هذه إذا طبخ لحم غيره بغير إذنه ضمن، ولو جعل صاحب اللحمِ اللحمَ في القدر ووضع القدر على الكانون ووضع تحتها الحطب، فأوقد النار وطبخ، فإنه لا يضمن استحسانًا، ومن هذا الجنس مسائل أحدها هذه.
المسألة الثانية: إذا طحن حنطة غيره بغير أمره ضمن، ولو أن صاحب الحنطة جعل الحنطة في الدورق، وربط عليه الحمار في آخر، وساق الحمار فطحن لا يضمن.
المسألة الثالثة: إذا رفع جرة غيره بغير أمره فانكسر يضمن، ولو أن صاحب الجرة رفع الجرة فأمالها إلى نفسه، فجاء إنسان وأعانه على الرفع فانكسر فيما بين ذلك، لا يضمن.
المسألة الرابعة: من حمل على دابة غيره بغير أمره حتى هلكت الدابة يضمن، ولو حمل المالك على دابته شيئًا ثم سقط في الطريق فجاء إنسان وحمل بغير إذنه، فهلكت الدابة لا يضمن.
المسألة الخامسة: إذا ذبح أضحية غيره بغير إذنه؛ إن ذبح في غير أيام الأضحية لا يجوز، ويضمن الذابح، وإن ذبح في أيام الأضحية يجوز، ولا يضمن؛ لأن الإذن ثابت دلالة في هذه المسائل، والدلائل يجب اعتبارها ما لم يوجد الصريح بخلافه، هذه جملة ذكرها الشيخ الإمام الأجل شيخ الإسلام رحمه الله في باب ما لا يجزئ في الأضحية.
ومن جنس هذه المسائل: ذكر محمد رحمه الله في شرح المزارعة في باب قبل باب المزارعة التي يشترط فيها المعاملة أن من أحضر فعلة لهدم حائط فجاء آخر، وهدم بغير إذنه لا يضمن استحسانًا، وصار الأصل في جنس هذه المسائل أن كل عمل لا يتفاوت فيه الناس ثبتت الاستعانة بكل واحد من آحاد الناس دلالة، فأما إذا كان عملًا يتفاوت فيه الناس لا تثبت الاستعانة بكل واحد من آحاد الناس، كما لو علق الشاة بعد الذبح للسلخ فجاء إنسان وسلخ بغير إذنه ضمن، ذكره رحمه الله هذا الأصل.
في الباب أيضًا: القصاب إذا اشترى شاة، فجاء إنسان وذبحها، فهذا على وجهين: أما إن ذبحها بعدما أخذه القصاب، وشد رجلها، أو قبل ذلك، ففي الوجه الأول: لا يضمن، وفي الوجه الثاني: يضمن. نزع غريم رجل من يده يعزر لكن لا ضمان عليه.
في (فتاوى أبي الليث) رحمه الله: دابة لرجل دخلت زرع إنسان، فأخرجها صاحب الزرع، فجاء ذئب وأكلها، إن أخرجها ولم يسقها بعد ذلك، فلا ضمان عليه، عليه أكثر المشايخ، وهو المختار للفتوى، وإن ساقها بعد ذلك أكثر مشايخنا على أنه يضمن سواء ساقها إلى مكان بأن عليها من زرعه، أو أكثر من ذلك، وعليه الفتوى.
وكذلك الراعي إذا وجد في بادوكه بقرة لغيره، فطردها قدر ما تخرج من بين بادوكه لا يضمن، وإن ساقها بعد ذلك يضمن، فأما إذا وجد بقرة في زرعه، فأخبر صاحبها، فأخرجها صاحبها، فأفسدت الدابة الزرع إن أمر صاحب الزرع صاحب الدابة بالإخراج لا يضمن صاحب الدابة شيئًا هذه الجملة في الباب الأول من غصب (الواقعات).
المزارع إذا دفع البقر الذي دفعه إليه رب الأرض مع البذر، والأرض مزارعة إلى الراعي، فضاع لا ضمان على أحد. في غصب (فتاوى أهل سمرقند) إذا منع صاحب الزرع عن السقي حتى فسد الزرع؛ لم يكن عليه ضمان الزرع في (واقعات الناطفي).

.الفصل الرابع في كيفية الضمان:

في (المنتقى): بشر بن الوليد عن أبي يوسف في رجل خرق طيلسانًا ثم رماه، قال أقومه صحيحًا وأقومه مخروقًا فأضمنه فضل ما بينهما، وعنه أيضًا: رجل حفر بئرًا في ملكه، فطمها رجل بترابها، قال: أقومها محفورة، وغير محفورة، فأضمنه فضل ما بينهما، وإن طرح فيها ترابًا أجبرته على أن يخرجه، وإن كانت في الصحراء، فإن لم يخرج الماء فليس عليه من طمها شيء، وإن أخرج الماء، فقد استحقها؛ لأنه بئر عطن، فهو ضامن لفضل ما بينهما.
إذا مزق دفاتر حساب إنسان، فاستهلكها ولم يدر ما أخذ وما أعطى، يضمن للمالك قيمة دفاتر الحساب، وهو أن ينظر بكم يشترى ذلك.
في غصب (فتاوى أهل سمرقند) وهو نظير ما ذكر في (فتاوى أبي الليث): أن من حرق صك إنسان، يضمن قيمة الصك مكتوبًا على قول أكثر المشايخ، ولا ينظر إلى المال؛ لأن الإتلاف صادف الصك، أما ما صادف المال.
في (المنتقى): هشام عن محمد قال: عند المفتين باطل؛ لأنه لو صبه إنسان لمسلم لم أضمنه، فقيل له: يقول أبو حنيفة فيمن صب سكرًا لمسلم أيضمن قيمته أو مثله، قال: قيمته إذا كسر بربط إنسان أو طنبور إنسان أو دفه أو ما أشبه ذلك من الآلات الملاهي فعلى قولنا: لا ضمان عليه، وعلى قول أبي حنيفة: يجب الضمان؛ لأن هذه الأشياء صالحة للانتفاع بجهة أخرى سوى اللهو بأن يجعل ظرف الأشياء، فيضمن قيمتها من هذا الوجه لا من حيث كونه طنبورًا أو بربطًا.
وذكر في (الجامع الصغير): أن على قول أبي حنيفة يضمن؛ إلا إذا فعل بإذن الإمام، قال القاضي الإمام صدر الإسلام في شرح (الجامع الصغير) والفتوى على قولهما لكثرة الفساد فيما بين الناس، وذكر الشيخ الإمام فخر الإسلام علي البزدوي في (الجامع الصغير) أيضًا: أن قول أبي حنيفة قياس، وقولهما استحسان، قال صدر الإسلام ثمة: ثم عند أبي حنيفة: إذا وجب الضمان يجب الضمان على وجه الصلاحية بغير التلهي على أي وجه يمكن الانتفاع بذلك وعلى هذا الخلاف النرد والشطرنج؛ لأنه يمكن أن يجعل هذه الأشياء..... وفي (القدوري) يقول في مسألة الطنبور والبربط أنه يضمن قيمته خشبًا منحوتًا، وفي (المنتقى) يقول: يضمن قيمته خشبًا ألواحًا.
هشام قلت لمحمد رحمه الله: إذا أحرق بابًا منحوتًا عليه تماثيل منقوشة، قال: في قولي: يضمن قيمته غير منقوش بتماثيل، فإن كان صاحبه قطع رؤوس التماثيل ضمن قيمته منقوشًا بمنزلة منقوش شجر، قلت: لو أحرق بساطًا فيه صورة رجال، قال: ضمن قيمته مصورًا؛ لأن البساط يوطأ.
قلت: إذا هدم بيتًا مصورًا بهذه الأصباغ تماثيل الرجال والطير قال: أضمنه قيمة البيت، والأصباغ غير مصورة، وإن قتل جارية مغنية ضمن قيمتها غير مغنية، إلا أن يكون الغناء نقصًا فأقومها على ذلك سواء وإن كانت الجارية حسن الصوت؛ إلا أنها لا تغني، فهو على حسن الصوت، والحمامة إذا كانت تقرقر، والفاختة إذا كانت تقرقر تعتبر قيمتها مقرقرة، والحمامة إذا كانت تجيء من بعيد، لا تعتبر قيمتها على ذلك.
والفرس إذا كان يسبق عليه، فهو على السابق قيمته، وفي الحمامة إذا كانت طائرة تعتبر قيمتها غير طائرة، وكذلك كل شيء يكون بغير تعليم.
غصب من آخر أرضًا وزرعها، وانتقصت الأرض بسبب الزراعة، فعلى الغاصب نقصان الأرض، واختلف المشايخ في طريق معرفة النقصان، قال بعضهم: ينظر بكم تؤاجر هذه الأرض قبل الزراعة، وبكم تؤاجر بعد الزراعة، فمقدار التفاوت نقصان الأرض، وقال بعضهم: ينظر بكم تشترى هذه الأرض قبل الزراعة، وبكم تشترى بعد الزراعة فمقدار التفاوت نقصان الأرض، قال شمس الأئمة السرخسي: والقول الأول أقرب إلى الصواب.
قطع شجرة من دار رجل بغير أمره، فرب الدار بالخيار؛ إن شاء ترك الشجرة على القاطع، وضمنه قيمة الشجرة قائمة، وطريقة معرفة ذلك أن تقوم الدار مع الشجرة، ويقوم الدار بدون الشجرة، فيضمن فضل ما بينهما. وإن شاء أمسك الشجرة، ويضمنه قيمة النقصان قائمًا وطريقة معرفة ذلك: أن يقوم الدار مع الشجرة، وبغير الشجرة أصلًا، فتفاوت ما بينهما قيمة الشجرة، ثم ينظر إلى ذلك وإلى قيمة الشجرة مقطوعة ففضل ما بينهما قيمة نقصان القطع، حتى لو كان قيمة الشجرة مقطوعة وغير مقطوعة على السواء، لا شيء عليه.
في (فتاوى أبي الليث) رحمه الله وفي (مجموع النوازل) من قلع شجرة من بستان رجل أو من داره فاستهلكها، فعليه نقصان الدار والبستان، ومن قلع شجرة من أرض رجل، فعليه قيمة الحطب، جاء إلى تنور راش وقد سخنت بقصب فصب فيه الماء، ننظر إلى قيمة التنور كذلك وإلى قيمته غير مسجور فيضمن فضل بينهما، وكذلك بئر الماء إذا بال فيها إنسان على هذا.
في (واقعات الناطفي)، وفي جنايات (فتاوى أهل سمرقند): فتح رأس تنور إنسان حتى برد، فعليه قيمة الحطب مقدار ما يسجر به التنور، ويمكن أن يقال: ينظر بكم يستأجر التنور المسجور يبيع به من غير أن يسجره، فيضمن ذلك القدر، أو ينظر إلى أجرته مسجورًا أو غير مسجور، فيضمن تفاوت ما بينهما.

.الفصل الخامس في خلط الغاصب مال رجلين أو رجل، أو مال غيره بماله، أو اختلط أحد المالين بالآخرين من غير خلط:

قال محمد رحمه الله في (الأصل): غصب من آخر حنطة، وغصب من آخر شعيرًا، وخلطهما؛ ضمن لكل واحد منهما مثل ما غصب منه، ولم يذكر في (الكتاب) أن المخلوط لمن يكون، واعلم بأن الخلط يكون على نوعين:
خلط لا يتأتى معه التمييز كخلط اللبن باللبن، والحنطة بالحنطة وفي هذه الصورة يكون المخلوط ملكًا للخالط، ويتقرر حق المالك في المثل عند أبي حنيفة رضي الله عنه، ولكن لا يحل للخالط الانتفاع بالمخلوط، قبل أداء البدل وعلى قول أبي يوسف ومحمد: للمالك الخيار؛ إن شاء ضمنه مثل حقه، وإن شاء شاركه في المخلوط، وأجمعوا على أنه لو غصب دهن جوز وخلط بدهن بزر أن المخلوط يصير ملكًا للخالط.
وخلط يتأتى معه التمييز، وهو على نوعين: نوع يحتاج فيه إلى كلفة، ومشقة للتميز كخلط الحنطة بالشعير، والجواب في هذا النوع عندهما كالجواب في النوع الأول في ظاهر الرواية، وبه أخذ بعض المشايخ، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن قوله في هذا النوع كقولهما، وبه أخذ بعض المشايخ، وإليه أشار في كتاب الغصب في أول كتاب الوديعة فإنه قال: إذا كان الخالط أجنبيًا، ولا يظفر به فلهما أن يبيعا، وأن يكون لهما حق البيع إذا كان مشتركًا بينهما.
أما إذا كان ملك الخالط لا يمكنهما البيع، من المشايخ من قال: ما ذكر من الجواب في تلك المسألة قول أبي يوسف ومحمد، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، أما على ظاهر رواية أبي حنيفة رضي الله عنه لا يكون لهما حق البيع، ومنهم من قال: ما ذكر ثمة قول الكل وهو الأصح، والعذر لأبي حنيفة على ظاهر الرواية أن حق البيع لهما في تلك الصورة ما كان باعتبار أن المخلوط لم يصر ملكًا للخالط، بل باعتبار أن المخلوط، وإن صار ملكًا للخالط فحقهما لم ينقطع عنه بل يتوقف تمام الانقطاع على وصول البدل إليهما.
ألا ترى أنه لا يحل للخالط الانتفاع بالمخلوط ما لم يؤدِّ البدل إليهما، وإذا بقي حقهما قلنا إنه يباع المخلوط لإبقاء حقهما كالمبيع يباع عند تعذر استيفاء الثمن من المشتري لعينه كذا هاهنا. ومن المشايخ من قال على قول أبي حنيفة رضي الله عنه في هذا الخلط قياس واستحسان، القياس: أن يصير المخلوط ملكًا للخالط، وفي الاستحسان: لا يصير.
ونوع لا يحتاج إلى التمييز فيه إلى كلفة ومشقة كخلط البيض بالسود، والدراهم بالدنانير، وفي هذا النوع لا يجب الضمان على الخالط، ولا يصير المخلوط ملكًا للخالط بالإجماع.
في (المنتقى): قال هشام: سألت محمدًا رحمه الله عن رجل غصب من رجل ألف درهم، وخلطهما درهمًا من ماله، قال: مذهب أبي يوسف في هذا أن دراهم الخالط إذا كان أكثر، فهو مستهلك ضامن للدراهم المغصوبة، وإن كان دراهم الخالط أقل، فالمغصوب منه بالخيار إن شاء ضمنه دراهم، وإن شاء شاركه في المخلوط بقدر دراهمه قلت: فإن كانا سواء، فما مذهب أبي يوسف؟ فقال: لا أدري، وأما في قولنا: المغصوب منه بالخيار على كل حال؛ إن شاء ضمن الغاصب دراهمه، وإن شاء كان شريكًا فيها.
وفيه أيضًا هشام عن محمد: إذا كان مع رجل سويق، ومع رجل آخر سمن أو زيت فاصطدما فانصب زيت هذا أو سمنه في سويق هذا، فإن صاحب السويق يضمن لصاحب السمن أو الزيت مثل كيل زيته أو سمنه؛ لأن صاحب السويق استهلك سمن هذا، ولم يستهلك صاحب السمن سويق هذا؛ ولأن هذا زيادة في السويق.
وإن كان مع أحدهما سويق، ومع الآخر نورة، فاصطدما فانصب سويق هذا في نورة هذا، فإن شاء صاحب السويق أخذ سويقه ناقصًا، وأعطى الآخر مثل نورته، وإن شاء ضمن صاحب النورة مثل كيل سويقه، وسلم له سويقه، وضمن صاحب السويق لصاحب النورة مثل كيل نورته؛ لأن كل واحد منهما جانٍ، وإن فعل ذلك غريب وذهب، فليس لصاحب النورة على صاحب السويق شيء؛ لأن النورة لم تزد في سويقه بل نقصه، والسويق لصاحب السويق.
وفي (القدوري) صب ماء في طعام فأفسده، وزاد في كيله، فلصاحب الطعام أن يضمنه قيمته قبل أن يصب فيه الماء، وليس له أن يضمنه طعامًا مثله، وكذا لو صب ماء في دهن أو زيت؛ لأن الطعام المبتل والدهن الذي صب في الماء لا مثل له، فيغرم القيمة، ولا يجوز أن يغرم مثل كيله قبل صب الماء؛ لأنه لم يكن منه غصب مقدم؛ حتى لو غصب ثم صب عليه الماء فعليه مثله.
وفي (المنتقى): عن محمد رحمه الله رجل معه دراهم ينظر إليها، فوقع بعضه في دراهم رجل، فاختلط، كان ضامنًا لها؛ قال: لأن هذا جناية منه، وإن لم يتعمد.

.نوع منه:

ذكر في (فتاوى أبي الليث): دجاجة ابتلعت لؤلؤة رجل؛ ينظر إلى قيمة اللؤلؤة، وإلى قيمة الدجاجة أيهما أكبر يخير صاحبها؛ إن كانت قيمة اللؤلؤة أكثر يقال لصاحبها: إن شئت فأعط قيمة الدجاجة واذبحها، وإن شئت فتربص إلى أن تخرج اللؤلؤة منها.
وإن كانت قيمة الدجاجة أكثر؛ يقال لصاحبها: إن شئت فأعط قيمة اللؤلؤة، وإلا فاذبح الدجاجة، وهكذا الجواب في الأترجة إذا دخلت في قارورة الإنسان وكبرت، ولو أدخل رجل أترجة رجل في قارورة رجل، فكبرت الأترجة فلا خيار لأحد، وضمن الفاعل لصاحب الأترجة قيمة الأترجة، ولصاحب القارورة قيمة القارورة، وتكون الأترجة والقارورة له بالضمان.
وفيه أيضًا: شجرة قرع نبتت في أرض رجل، فصارت في حب رجل، وانعقدت فيه حتى عظمت، ولم يتمكن إخراجها إلا بكسر الحب أو القرع؛ ينظر إلى أكثرهما قيمة يقال لصاحبه: أد قيمة الآخر وتملكه وإن باعا الحب والقرع جاز، ويضرب كل واحد منهما من الثمن بقيمة سلعته.
وفي كتاب الحيطان: دخل قرن الشاة في قدر... وتعذر إخراجه، ينظر أيهما كان أكثر قيمة من الآخر، فيؤمر صاحب أكثرهما قيمة بدفع قيمة الآخر إلى صاحبه، ويتملك مال صاحبه، ويكون مخيرًا بعد ذلك يتلف أيهما شاء، وكذلك إذا كان للمستأجر حب في الدار المستأجرة لا يمكن إخراجه إلا بهدم شيء من الحائط؛ ينظر أيهما أكثر قيمة، ما ينهدم من الحائط بإخراج الحب، أو الحب.
وفي (المنتقى) هشام في (نوادره) عن محمد رحمه الله: دجاجة رجل ابتلعت لؤلؤة رجل آخر؛ يقال لصاحب الدجاجة: إن شئت فأعط قيمة اللؤلؤة، فإن أبى صاحب الدجاجة إعطاء قيمة اللؤلؤة، أعطي الدجاجة بقيمتها، وكذلك إن ابتلعها بعير، وقيمة اللؤلؤة كثيرة، وإن كانت قيمة اللؤلؤة شيئًا يسيرًا فلا شيء على صاحب البعير.
وفيه أيضًا: بشر عن أبي يوسف: في طائر ابتلع لؤلؤة، فأراد صاحب اللؤلؤة أن يأخذ الطائر، قال: لا أجبر صاحب الطائر أن يعطيه الطائر، ويأخذ قيمة الطائر، وكذلك كل شيء يبتلع اللؤلؤة، وقيمة اللؤلؤة خير منه.
وفي (العيون): رجل أودع رجلًا فصيلًا، فأدخله المودع في بيته حتى عظم، فلم يقدر على إخراجه إلا بقلع بابه، فله أن يعطي قيمة الفصيل يوم صار الفصيل في حد لا يستطيع الخروج من الباب، ويتملك الفصيل دفعًا للضرر عن نفسه إن شاء، وإن شاء قطع الباب، ورد الفصيل.
قال الصدر الشهيد في (واقعاته): ويجب أن يكون تأويل المسألة إذا كان قيمة ما ينهدم من البيت بإخراج الفصيل أكثر من قيمة الفصيل، أما إذا كان قيمة الفصيل أكثر من قيمة ما ينهدم من البيت بإخراج الفصيل؛ يؤمر صاحب الفصيل بدفع قيمة ما ينهدم إليه، وأخرج الفصيل ليكون هذا الجواب مطابقًا لما ذكر في (النوازل).
وفي كتاب (الحيطان): هذا إذا أدخل المودع الفصيل في بيته. ولو استعار المودع بيتًا وأدخل الفصيل وعظم الفصيل وباقي المسألة بحالها، يقال لرب الفصيل: إن أمكنك إخراج الفصيل، فأخرجه، وإلا فانحره واجعله قطعًا قطعًا، وإن كان حمارًا أو بغلًا إن كان ضرر الباب فاحشًا كذلك أيضًا، وإن كان يسيرًا له أن يقلع الباب، ويغرم مقدار ما أفسد من الباب، وهذا نوع استحسان؛ لأنه لو لم يجعل كذلك يتضرر صاحب الحمار والبغل بفوات حقه أصلًا.
وفي (الواقعات) للناطفي: قصار بسط ثوبًا على حبل في الريح، فجاءت وحملته وألقته في صبغ إنسان حتى انصبغ، فليس على القصار ولا على رب الثوب شيء من قيمة الصبغ، قال الصدر الشهيد رحمه الله: وهذا بخلاف ما حفظنا في المسائل الخلافية، فالمحفوظ في الخلافية أن صاحب الثوب يأخذ ثوبه، ويضمن ما زاد الصبغ فيه إلا إذا أبى صاحب الثوب أخذ الثوب فحينئذٍ كان الجواب كما ذكر الناطفي، وذكر (القدوري) في باب الثوب يصبغه الغاصب على نحو ما ذكره الصدر الشهيد رحمه الله.

.الفصل السادس في استرداد المغصوب من الغاصب، وما يمنع من ذلك، وفيمايبرأ الغاصب به عن الضمان وما لا يبرأ:

قال الكرخي رحمه الله: إذا أحدث المغصوب منه في الغصب حدثًا يصير به غاصبًا لو وقع في ملك الغير صار مستردًا للغصب، وبرئ الغاصب به عن الغصب، وذلك نحو أن يستخدم المغصوب أو يلبس المغصوب؛ لأن غاصب إثبات اليد على المحل، فإذا أحدث حدثًا يصير به غاصبًا، فقد أثبت يده على المغصوب، وثبوت يد المالك يوجب سقوط الضمان عن الغاصب، وسواء عرف ذلك أو لم يعرف؛ لأن الحكم يبنى على السبب دون العلم، ولا يكون الغاصب غاصبًا بالغصب الأول لهذا إلا أن يحدث غصبًا مستقبلًا.
وكذلك لو أن الغاصب كسى الثوب رب الثوب، فلبسه حتى تخرق، وعرفه أو لم يعرفه، وكذلك إذا باعه من صاحبه أو وهبه له، ولم يعرفه حتى لبسه وتخرق، كذلك إذا غصب طعامًا ثم أطعمه، وعرفه أو لم يعرفه.
وكذلك إذا جاء المغصوب منه إلى بيت الغاصب، وأكل ذلك الطعام بعينه، وقد عرفه أو لم يعرفه (لم يجب) به شيء من الضمان، وإن كان الغاصب خُبَز الدقيق أو شَوَى اللحم، ثم أطعمه لم يبرأ عن الضمان؛ لأنه ما أثبت يده على المغصوب في هذه الصورة؛ لأنه بالخبز والشي خرج من أن يكون مغصوبًا، وصار ملكًا للغاصب.
قال: ولو أن المغصوب منه آجر العبد من الغاصب للخدمة أو الثوب للبس برئ من ضمان العبد حتى وجب عليه الأجر بالإجارة؛ لأن الأجر مع الضمان لا يجتمعان، وقد قالوا: إذا استأجر العبد المغصوب من مولاه ليبني له حائطًا معلومًا لا يسقط عنه الضمان حتى يبدأ بالبناء؛ لأن الأجرة في هذه الصورة لا تجب بالتخلية، وإنما تجب بالعمل، وسقوط الضمان معلق بوجوب الأجر، فأما في الاستخدام؛ فالأجر يجب بالتخلية كما وقع عقد الإجارة يبرأ عن الضمان.
ولو زوج الجارية المغصوبة من الغاصب، لم يبرأ عن الضمان في قياس قول أبي حنيفة رضي الله عنه، خلافًا لأبي يوسف: وهو فرع اختلافهم في المشتري إذا زوج الجارية المشتراة قبل القبض، فعلى قول أبي حنيفة رضي الله عنه؛ لا يصير قابضًا لها، وعلى قول أبي يوسف: يصير قابضًا لها، ولو كان المغصوب منه استأجر الغاصب ليعلم المغصوب عملًا من الأعمال، فذلك جائز، وهو في يد الغاصب على ضمانه إن هلك قبل أن يأخذ في ذلك العمل أو بعده ضمن.
وكذلك لو استأجر ليفتل الثوب المغصوب؛ لأن الاستئجار على التعليم، وفتل الثوب لا يقتضي ثبوت اليد عليه، فإنه يتصور وقوع العمل فيه مع كونه في يد المالك وداره، فلا يبرأ من الضمان، وإن كان له أجر في عمله إنما يبطل عنه الضمان إذا صار عليه الأجر؛ لأنه لا يتحمل أجر وضمان أما أن يكون له الأجر وهو ضامن، فهذا جائز، بخلاف استئجار الدابة للركوب؛ لأن استيفاء منفعة الدابة لا يكون إلا بعد كونه مسلمًا إليه فثبوت بدل الإجارة، يستدعي انتفاء ضمان الغصب.
رجل خان رجلًا حنطة، ثم دفعها إليه بعينها إليه، وقال: اطحنها لي، فطحنها، ثم علم أنها كانت حنطته برئ من الضمان، وكذلك لو خانه غزلًا ثم دفع ذلك الغزل بعينه إلى صاحب الغزل، وقال: انسجه لي فنسجه ثم علم به.
وكذلك إذا غصب من رجل دابة، ومات صاحب الدابة، إن ابنه استعار منه دابة فأعارها إياه، وعطبت تحته برئ من الضمان.
المعلى في (نوادره) عن أبي يوسف.. عن أبي حنيفة رضي الله عنه: رجل غصب من رجل ثوبًا، فأحرقه رجل في يده، ثم أعطى المحرق الغاصب قيمة الثوب برئ، قال أبو يوسف: ليس على المحرق أن يعطي الغاصب قيمته، وإذا أعطى لا يبرأ؛ إلا إذا كان الإعطاء بقضاء القاضي، ولا ينبغي للقاضي أن يجبره على إعطاء القيمة إذا علم أن الطالب غاصب، لكن يضمنها على يدي رجل عدل حتى يحضر رب الثوب، فيختار ضمان أيهما، قال أبو الفضل رحمه الله: هذا الجواب خلاف ما قال في (الأصل) غصب من آخر دارًا، ثم إن الغاصب استأجرها من المغصوب منه، والدار ليست بحضرتهما حين استأجرها ينظر إن كان هو ساكنها أو لم يكن هو ساكنها؛ إلا أنه قادر على إسكانها برئ من ضمانها؛ لأني أوجب عليه الأجر حينئذٍ.
وفي (الجامع) في باب متصل بباب الطويل من البيوع: إذا أمر المالك الغاصب ببيع المغصوب، فقبل البيع لا يخرج عن ضمان الغاصب، وكذا بعد البيع قبل التسليم لا يخرج من ضمان الغصب حتى لو هلك قبل البيع، أو بعد البيع قبل التسليم بحكم البيع يهلك بالغصب.
وكذا المغصوب منه إذا باع بنفسه فقبل التسليم لا يخرج عن ضمان الغاصب، وكذا المغصوب منه إذا أمر الغاصب بأن يضحي الشاة، فقبل أن يضحي بها لا يخرج عن ضمانه، نص عليه شمس الأئمة السرخسي في أول شرح كتاب العارية: إذا رد الغاصب المغصوب على المغصوب منه، فجواب (الكتاب) أنه يبرأ مطلقًا، قال الشيخ الإمام شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده في كتاب الإقرار:
والمسألة في الحاصل على وجوه: إن كان المأخوذ منه كبيرًا بالغًا؛ فالجواب ما قال في (الكتاب)، وإن كان صغيرًا، إن كان مأذونًا في التجارة فكذلك، وإن كان محجورًا إن كان صبيًا لا يعقل القبض والحفظ؛ لا يبرأ عن الضمان إذا رده عليه بعدما أخذ منه، وتحول منه، وإن ردَّ عليه قبل أن يتحول عن مكان الأخذ يبرأ استحسانًا، وكان الجواب فيه كالجواب فيما إذا أخذ لقطة، وردها إلى مكانها؛ إن رد بعدما تحولت لا يبرأ، وإن رد قبل التحول برئ استحسانًا، وإن كان صبيًا يعقل القبض والحفظ، ففيه اختلاف المشايخ.
وفي (فتاوى الفضلي): أنه يبرأ عن الضمان إذا كان الصبي يعقل الأخذ والإعطاء من غير ذكر خلاف، وإن كان لا يعقل الأخذ والإعطاء؛ لا يبرأ من غير تفصيل.
وفيه أيضًا: إن كان المغصوب دراهم، وقد استهلكها الغاصب، ثم رد مثل ذلك على الصبي، وهو يعقل يبرأ إذا كان مأذونًا، وإن كان محجورًا عليه لا يبرأ.
ذكر في آخر كتاب (اللقطة): إذا نزع الخاتم من إصبع نائم، ثم أعاده إلى إصبعه قبل أن يفيق من تلك النومه يبرأ، وإن أعاد إلى إصبعه بعدما تنبه ثم نام لا يبرأ، وذكر الحسن بن زياد في كتاب الاختلاف أخذ من نائم نعله أو خاتمًا كان في إصبعه، ثم أعاد إلى مكانه وهو نائم؛ قال أبو يوسف: إن لم يستيقظ حتى رده برئ، وإن استيقظ ثم نام ثم رده، ثم ضاع ضمن إذا لم ينتبه بعد ذلك، وقال محمد رحمه الله: إن أعاد في مجلسه ذلك استحسن أن يبرأ عن الضمان؛ سواء رده في تلك النومة أو نومة أخرى وإلا ضمنته، وكذلك إذا رده إلى إصبع أخرى.
إذا لبس ثوب غيره بغير أمره حال غيبته، ثم نزعه، وأعاده إلى مكانه؛ لا يبرأ قال مشايخنا: وهذا إذا لبس كما يلبس ذلك الثوب عادة، فأما إذا كان قميصًا، فوضعه على عاتقه، ثم أعاده إلى مكانه، فلا ضمان؛ لأن هذا حفظ، وليس باستعمال.
في آخر كتاب (اللقطة) وفي (المنتقى) ابن سماعة عن محمد: في رجل أخذ ثوب رجل من بيته بغير أمر، فلبسه ثم رده إلى بيته، فوضعه فيه، فهلك؛ لم يضمن استحسانًا، وكذلك لو أخذ دابة غيره من آرية بغير أمره، ثم ردها إلى موضعها، فذهبت فلا ضمان استحسانًا، وإن أخذ الدابة من غير المالك غصبًا ثم ردها، فلم يجد صاحبها، ولا خادمه، فربطها في دار صاحبها على معلفها، فهو ضامن؛ نص عليه شمس الأئمة في شرح كتاب العارية.
وفي (المنتقى) الحسن بن زياد عن أبي يوسف: رجل أخذ شيئًا من دار رجل بغير علمه، ثم رده بعد أيام إلى ذلك الموضع؛ لا يبرأ عن الضمان ما لم يرده على صاحبه.
وفيه ابن سماعة عن محمد: في رجل أخذ من كيس رجل خمسمائة درهم، وقد كان في الكيس ألف درهم، فذهب، ثم ردها بعد أيام، ووضعها في الكيس الذي أخذها منه، فإنه يضمن الخمسمائة التي كان أخذها، ولا يبرأ منها بردها إلى الكيس.
وفي (فتاوى أبي الليث): غصب من رجل ثوبًا، وجاء به إلى المغصوب منه، ووضعه في حجره، والمغصوب منه يعلم بالوضع؛ إلا أنه لا يعلم أنه ثوبه فجاء إنسان، وحمله من حجر المغصوب منه؛ قال: أخاف أن لا يبرأ عن الضمان؛ لأنه يقع عند المغصوب أنه وديعة، ولا يعلم أنه ثوبه ليتابع في الحفظ.
في هذا الموضع أيضًا: غصب من آخر سفينة، فلما ركبها وبلغ وسط البحر لحقه صاحبها، فليس له أن يستردها من الغاصب، لكن يؤاجرها من ذلك الموضع إلى الشط مراعاة للجانبين.
وكذلك لو غصب دابة، ولحقها صاحبها في المفازة في موضع المهلكة، فليس له أن يستردها، ولكن يؤاجرها منه لما قلنا.
وإذا كفن الميت في ثوب غصب، ودفن وأهيل التراب عليه، فإن كان للميت تركة أخذ القيمة من تركته، ولا ينبش الميت، وكذا إذا لم يكن للميت تركة، ولكن تبرع إنسان بأداء القيمة أخذ المالك القيمة من المتبرع، ولا ينبش القبر، وإن لم يكن شيء من ذلك فصاحب الكفن بالخيار؛ إن شاء تركه لآخرته، وهو له فضل، وإن شاء نبش القبر، وأخذ الكفن، قيل: هذا إذا كفن من غير خياطة، فإن نبش القبر، وأخذ الكفن، فوجده قد انتقص، فله أن يضمن الذين كفنوه ودفنوه؛ لأنهم صاروا غاصبين.
غصب من آخر دابة، أو ثوبًا، أو دراهم، وهي قائمة بعينها، فأبرأه المغصوب منه منها صح الإبراء، وتكون العين أمانة في يده، وكذا لو قال: حللته من الغصب، وإن كان المغصوب مستهلكًا برئ من ضمان القيمة، ويكون إبراء عن ضمانها.
في (عيون المسائل) وفي (فتاوى النسفي): غصب من آخر ساجة وأدخلها في ثيابه أو غصب من آخر بالة وغرسها في أرضه، وكبرت حتى انقطع حق المالك، ثم إن المالك قال للغاصب: وهبت منك الساجة، والبالة صح، وهذا إبراء عن الضمان في الحاصل.
إذا هشم إبريق فضة إنسان فجاء آخر، وهشمه هشمًا برئ الأول عن الضمان، والثاني ضامن، وإنما برئ الأول؛ لأن صاحب الإبريق لا يمكن أن يرد الإبريق على الأول على الحالة الذي هشمه، قال الفقيه أبو الليث: وكذا روي عن محمد بن الحسن في رجل صب ماء على حنطة رجل، فجاء رجل آخر، وصب ماء آخر، وزاده نقصانًا، فالأول يبرأ، والضمان على الثاني قيمتها يوم صب عليها الثاني.
وفي صرف (الأصل): إذا كسر إناء فضة لرجل، واستهلكه صاحبه قبل أن يعطيه إناءه، فلا شيء على الكاسر؛ لأن شرط التضمين تسليم المكسور إليه، وقد فوته بالاستهلاك.

.الفصل السابع في التسبب إلى الإتلاف:

قال محمد رحمه الله في كتاب اللقطة: إذا حل دابة مربوطة لرجل، ولم يذهب بها، فذهبت الدابة، فلا ضمان على الذي حلها عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ سواء ذهبت الدابة على الفور أو بعد ذلك بزمان، وعلى قول محمد يجب الضمان.
وكذلك إذا فتح باب دار إنسان، وفي الدار دواب، فذهبت الدواب.
وكذلك إذا فتح باب قفص إنسان، فطار الطير الذي فيه؛ روي عن محمد رواية أخرى أنه إذا ذهبت الدابة على الفور، أو طار الطير على الفور؛ أنه ضامن، وإذا ذهبت وطار لا على الفور، فلا ضمان، وإنما لم يجب الضمان عندهما؛ لأن الطائر في الطيران مختار، وتركه منه متصور، فلا يحال بالتلف على الفاتح، كما لو حل قيد عبد إنسان حتى ذهب العبد، ومحمد رحمه الله يقول في فصل العبد: العبد له اختيار معتبر شرعًا حتى لو لم يكن كذلك بأن كان العبد مجنونًا؛ ذاهب العقل، فهو والدابة سواء، وعن محمد أيضًا؛ لو كان العبد المجنون مقيدًا في بيت مغلق، فحل إنسان قيده، وفتح الآخر الباب، فالضمان على الفاتح لا على الحال؛ قال الفقيه أبو الليث رحمه الله وقد ذكر محمد رحمه الله في (المبسوط): أنه لا ضمان في ذلك كله، ولم يذكر فيه اختلافًا.
ولو حل رباطًا لزيت فسال الزيت، إن كان الزيت سائلًا، فهو ضامن؛ لأن الفاتح هو المسيل بحل الرباط؛ لأن طبعه كذلك لا يتصور خلافه، ولو كان جامدًا وذاب بالشمس، وسال لم يضمن؛ لأنه ليس بمسيل؛ لأن السيلان من طبع المائع، وإنما صار مائعًا من فعل الغير.
وذكر في (واقعات الناطفي) فيمن جاء إلى سفينة مشدودة، فحلها، وذلك يوم ريح شديد، فغرقت السفينة، فهذا على وجهين؛ إما أن تثبت بعد الحل ساعة قليل الأوقات، ثم سارت وغرقت، أو كما انحلت لم تقف وسارت وغرقت ففي الوجه الأول لم يضمن وفي الوجه الثاني يضمن.
وفي (المنتقى): إذا كانت الدابة في مربط؛ جاء إنسان وفتح الباب، وذهبت الدابة؛ قال محمد رحمه الله: هو ضامن لها، فإن كانت مشدودة، والباب مغلق فجاء إنسان وحلها، وجاء آخر، وفتح الباب، وذهبت؛ قال: الضمان على الذي فتح الباب، وكذلك الغنم ثقب حائط إنسان بغير إذن صاحب الحائط، ثم غاب الثاقب فدخل سارق من ذلك، وسرق شيئًا يجب أن لا يضمن الثاقب؛ لأن الثاقب مسبب، والسارق مباشر، وصار كما لو فتح باب القفص، وطار الطير، ويجوز أن يكون بين المسألتين فرق، والفتوى في الثاقب أنه لا يضمن مذكورة في (فتاوى سمرقند).
نظر في دن دهن مائع لغيره، فوقعت قطرة دم من أنفه في الدن، وتنجس الدن؛ صار ضامنًا إذا كان النظر بغير إذن المالك، ثم ماذا يضمن؟ إن كان الدهن مأكولًا يضمن مثل ذلك قدرًا، ووزنًا؛ لأن الدهن الذي هو مأكول، فالمقصود الأصلي منه الأكل وفرقات ذلك، فكان إتلافًا له؛ ألا ترى أن من قطع يد دابة هي غير مأكول اللحم، أو رجلها؛ ضمن قيمتها لفوات المنفعة المطلوبة منها من حيث الركوب واللحم، وإن كان الدهن غير مأكول، يضمن النقصان.
إذا أوقف دابة في سوق الدواب، فرمحت، فلا ضمان على صاحبها؛ لأن الوالي قد أذن للناس في إيقاف دوابهم في ذلك الموضع، وكل ما كان بإذن الإمام في موضع جاز له الإذن، فهو مباح مطلقًا؛ غير مقيد بشرط السلامة.
وكذلك لو كانت سفن واقفة على الشط جاءت سفينة، وأصابت هذه الواقفة؛ فانكسرت الواقفة كان الضمان على الجائية، وإن كسرت الجائية، فلا ضمان على الواقفة؛ لأن الإمام قد أذن لأصحاب السفن على الشط.
وفي (فتاوى النسفي): طحان خرج بالليل من الطاحونة؛ ينظر إلى مبل الماء حين قل الماء، فدخل السارق وسرق أحمال الناس، فالطحان ضامن إن بعد عن الباب بعدًا يعد به مضيعًا.
وفي (الحاوي): إذا غصب عجولًا واستهلكه حتى تبين إن.... يضمن قيمة العجول، وما نقص من البقرة.
إذا سعى إلى السلطان بغير ذنب أصلًا، فهو ضامن، وذكر القاضي الإمام صدر الإسلام في آخر شرح اللقطة السعاية على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون بحق بأن يكون يؤذيه، ولا يمكنه دفعه عن نفسه إلا بالدفع إلى السلطان، وفي هذا الوجه لا ضمان، وحكي عن القاضي الإمام شمس الإسلام محمود الأوزجندي؛ أن المضروب إذا شكى إلى السلطان حتى أخذ السلطان مالًا من الضارب أنه لا ضمان عليه. وكذا إذا كان يفسق ولا يمتنع عنه بالأمر بالمعروف، فرفع إلى السلطان، وأخذ السلطان مالًا، فلا ضمان عليه.
الوجه الثاني: أن يقول للسلطان إن فلانًا وجد كنزًا في داره، أو قدر غطارف فإن كان السلطان يغرم الناس جزافًا لا محالة فهو ضامن، وإن كان قد يغرم الناس جزافًا، وقد لا يغرم؛ فلا ضمان.
الوجه الثالث: أن يكون السعاية بغير حق، وفي هذا الوجه لا ضمان على الساعي في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف خلافًا لمحمد رحمه الله، وجعل هذه المسألة فرع مسألة فتح باب القفص؛ قال رحمه الله: والفتوى على قول محمد في زماننا؛ لكثرة السعاية زجرًا لهم؛ صيانة لأموال الناس.
وذكر في (فتاوى النسفي) أنه سئل عن السعاية بغير ذنب؛ قال: روي عن زفر أنه ضامن، وبه أخذ كثير من مشايخنا.
وفيه أيضًا: العبد إذا سعى غيره بغير ذنب إلى السلطان حتى أخذ منه مالًا، إن العبد ضامن، ولكن لا يؤاخذ به إلا بعد العتق؛ لأن العبد ضامن العبد، ولكن لا يؤاخذ به إلا بعد العتق؛ لأن هذا ضمان القول.
إذا رش الماء في الطريق، فجاء حمار وزلق به وعطب؛ ذكر في (فتاوى أبي الليث) أن عليه الضمان، ولم يذكر ما إذا زلق به إنسان وعطب وذكر محمد رحمه الله في ديات (الأصل): أن على عاقلته الضمان من غير فصل، وذكر الشيخ الإمام شيخ الإسلام تأويل المشايخ وأحسن التأويل، إذا رش كل الطريق بحيث لا يجد المار موضعًا يابسًا يمر عليه، ففي هذا الوجه: الراش ضامن.
وكذلك الجواب في الخشبة الموضوعة في الطريق؛ إن أخذت الطريق كلها، فمر عليها وعثر ومات، فالواضع ضامن، وأما إذا رش بعض الطريق، فمر إنسان على الموضع الذي رش؛ إن لم يعلم بذلك بأن كان ليلًا وعثر ومات من ذلك وجب الضمان على الراش، وإن علم بذلك، ومع ذلك مر على موضع الرش فلا ضمان على الراش.
وكذلك الجواب في الخشبة الموضوعة في الطريق إذا أخذت بعض الطريق، فمر عليها إنسان متعمدًا، وإلى هذا أشار محمد رحمه الله في مسألة حفر البئر.
وصورتها: إذا حفر بئرًا على قارعة الطريق، فجاء إنسان، ووثب من إحدى حافتي البئر إلى الآخر خاطر بذلك، فوقع في البئر ومات، فلا ضمان على الحافر، وأما إذا أمر غيره بالرش؛ إن أمره بالرش على فناء الدكان، يعني دكان الآمر؛ فالآمر ضامن، ولا ضمان على الراش، وإن كان بخلافه فالراش ضامن، والحارس إذا رش هو يضمن كيف ما كان، وإذا رش الماء في الطريق، وجاء رجل بحمارين فيقوم صاحب الحمار إلى أحدهما يقوده، فتبعه الحمار الآخر فزلق فانكسرت رجله، فإن كان صاحب الحمارين سابقًا فلا ضمان على الراش؛ لأن التلف يحال منه على سوقه، وإن لم يكن سابقًا لهما فالراش ضامن إذا ربط حمارًا علق على موضع، فجاء آخر، وربط حماره على ذلك الموضع أيضًا، فعض أحد الحمارين الآخر؛ فإن ربطا في موضع كان لهما ولاية الربط بأن لم يكن ذلك الموضع طريقًا، ولا ملكًا لأحد، فلا ضمان؛ لأن الربط على هذا الموضع ليس بجناية، وإن ربطا في موضع ليس لهما ولاية المربط يجب الضمان على صاحب الحمار؛ لأنه ربطه على هذا الموضع جناية منه فما تولد منه يكون مضمونًا.
في غصب (فتاوى أبي الليث): زعم بعض مشايخنا أن المسألة مؤولة في باب الضمان، وتأويلها إذا عض حمار الرجل الثاني حمار الرجل الأول؛ أما إذا عض حمار الأول حمار الثاني؛ لا ضمان على الأول؛ لأن فعل الثاني تسبب إلى التلف؛ أما فعل الأول ليس بتسبب، وليس الأمر كما ظنوا؛ بل المسألة مجراة على إطلاقها، والضمان واجب على صاحب العاض أيهما كان.
إذا شق راوية الرجل، فهو ضامن لما شق من الراوية، ولما سال منها، ولما عطب بما سال منها؛ ما لم يشقها صاحبها، فإن ساقها صاحبها، وهو يعلم بذلك ضمن صاحبها ما عطبه بما سال منها بعد سوقه إياها، ولا يضمن الشاق ذلك.
وكذلك لا يضمن الشاق ما سال منها بعد سوقه إياها، ولا يضمن الشاق ذلك، وكذلك لا يضمن الشاق ما سال منها بعد سوقه إذا كان الشق بحال يمكن لصاحبها دفع ذلك، فإن الضمان على الشاق.
وكذلك إذا شق راوية رجل، وسال ما فيها حتى مال الجانب الآخر ووقع وتخرق، وسال ما في الدن الآخر كان ضمان ذلك على الشاق إلا إذا ساقها رب الدابة مع العلم بالشق فحينئذٍ لا ضمان على الشاق.
ذكر شيخ الإسلام هذه المسألة على هذا الترتيب في آخر شرح الإجارات، وإذا ساق حمارًا عليه وقر حطب، وكان يليه رجل واقف في الطريق أو يسير، فقال السائق بالفارسية: (يرث برث)، أو قال: (كرست) ولم يسمع الواقف حتى أصابه الحطب، وخرق ثوبه، أو سمع إلا أنه لم يتهيأ له أن يتنحى عن الطريق لضيق المدة ضمن السائق ثوبه؛ لأن التخرق مضاف إلى سوقه، والمرور في الطريق، وحمل الحطب مباح له بشرط السلامة، وإن سمع وتهيأ له التنحي عن الطريق، فلم يتنح فلا ضمان؛ لأنه رضي بخرق ثوبه؛ ذكر المسألة في (فتاوى أهل سمرقند) ولم يذكر ما إذا كان الحمار يمشي، والرجل يأتي أمامه، وضرب عليه الحطب، وتخرق ثوبه.
والجواب فيه: أن الرجل الآتي إن لم يكن غافلًا، أمكنه أن يتنحى عن الطريق ولم يتنحَ، فلا ضمان على صاحب الدابة، وإن كان الرجل الآتي غافلًا، وحصل الخرق بذنب الحمار، ومجيء الرجل يجب أن يكون على صاحب الحطب نصف الضمان على قياس مسألة المكعب، وجناسها على ما سيأتي بيانها بعد هذا إن شاء الله.
وفي (النوازل) قصار أقام حمارًا على الطريق، وعليه ثياب، فجاء راكب، وفرق الثياب، يريد به (كرست زوش)؛ قال: إن كان الراكب يتضرر الحمار أو الثوب يضمن؛ لأن فعله جناية في هذه الحالة، وإن كان لا يتضرر لا يضمن؛ لأن فعله ليس بجناية، والمرور في الطريق مأذون فيه؛ قال ثمة فعلى هذا لو وضع الثوب على الطريق، فجعل الناس يمرون عليه حتى تخرق؛ وهم لا يبصرون، فلا ضمان عليهم.
وكذلك رجل جلس على الطريق، فوقع عليه إنسان، فلم يره، فمات الجالس، فلا ضمان عليه؛ لأن القنن يجمع الكل؛ قال الفقيه أبو الليث، وقد روي عن أصحابنا خلاف ذلك، ولكن لو أفتى مفتٍ بما ذكرنا أولًا لا بأس به.
قال الصدر الشهيد في (واقعاته): فإذا نص المفتي في هذه المواضع أن الرأي للقاضي، قال: وهكذا يفتى، وعلى قياس مسألة وقر الحطب ينبغي أن يقال في هذه المسألة: إذا كان الراكب تبعه الحمار، والقصار إن لم يقل (برت كوست) أو قال: ولم يسمع القصار قوله، أو سمع، ولكن لم يتهيأ له أن يتنحى؛ ينبغي أن يصير الراكب ضامنًا إلى آخر ما ذكرنا.

.الفصل الثامن قي الدعوى الواقع في الغصب، واختلاف الغاصبوالمغصوب منه والشهادة في ذلك:

قال محمد رحمه الله في (الأصل): إذا ادعى رجل على رجل أنه غصب منه جارية له، وأقام على ذلك بينة؛ يحبس المدعى عليه حتى يجيء بها، ويردها على صاحبها؛ قال شمس الأئمة الحلواني: ينبغي أن تحفظ هذه المسألة؛ لأنه قال: أقام بينة أنه غصب جارية له، ولم يتبينوا جنسها وصفتها،.... المشايخ من شرطه بيان الجنس، والصفة والقيمة، وأول ما ذكر في الكتاب على هذا، وحكي عن أبي بكر الأعمش تأويل المسألة أن الشهود شهدوا على إقرار الغاصب أنه غصب منه جارية فثبت غصب الجارية، فإقراره في حق الحبس والقضاء جميعًا.
والصحيح: أن هذه البينة تقبل في حق الحبس من غير بيان الجنس والصفة والقيمة، فإذا حبسه القاضي، وأحضر المحبوس جارية، فإن اتفق الغاصب والمغصوب منه أن جاريته هذه يقضى بها للمغصوب منه، وإن أنكر الغاصب أن تكون هذه الجارية جارية المدعي، وادعاها المالك؛ لم يقضَ بها للمغصوب منه ما لم تفد البينة أنها هي الجارية التي غصبها منه.
وإن قال الغاصب: قد ماتت الجارية، أو بعتها، ولا أقدر عليها إن صدقه المغصوب منه في ذلك خلي سبيله، وقضي عليه بالقيمة إن أراد المغصوب منه فإن كذبه يحبس، وينظر ويتلوم، فإذا مضى مدة يقع في غالب رأي القاضي أنه لو كان قادرًا لما تحمل مرارة الحبس إلى مثل هذه المدة، فالقاضي يخلي سبيله.
قال شمس الأئمة: وهذا التلوم إذا لم يرض المغصوب منه بالقيمة، فإن لم يعرف منه الرضا ومضت هذه المدة فالقاضي يخلي سبيل المدعى عليه بعد هذا القاضي يقول للمغصوب منه: إذا تريد ضمان القيمة أو التلوم إلى أن تظهر الجارية؛ إن قال: ضمان القيمة إن اتفقا على القيمة قضى بتلك البينة، وإن لم يكن، فالقول قول الغاصب مع يمينه، ويحلف بالله ما قيمته إلا عشرين درهمًا ذكر هذه الكيفية في غصب (الأصل) قبل مسألة الخلط، فإذا حلف وأدى القيمة، ثم ظهرت الجارية؛ كان للمالك الخيار؛ إن شاء رضي بالقيمة التي أخذها، وإن شاء ردها، وأخذ الجارية؛ قال شيخ الإسلام: قال بعض مشايخنا: إذا كان المأخوذ مثل قيمته أو أكثر؛ لا يكون للمالك الخيار في استرداد الجارية، وذكر شمس الأئمة السرخسي أن هذا القائل هو الكرخي؛ قال شمس الأئمة هذا: والصحيح أن للمالك الخيار على كل حال.
وإليه أشار في (الكتاب) حيث أطلق الجواب إطلاقًا، وذكر شمس الأئمة الحلواني: إذا ظهر أن قيمتها مثل ما قال الغاصب..... الجواب فيه؛ قال في موضع: لا خيار للمولى، ولا سبيل له عليها، وقال في موضع آخر: له الخيار، وإن كان ما أخذ أضعاف قيمتها؛ قال شمس الأئمة هذا: والقول الأول أشبه.
ولو ادعى الغصب وجاء بشاهدين شهد أحدهما على الغصب، وشهد الآخر على إقرار الغاصب بالغصب؛ لا تقبل الشهادة، وهذا بخلاف ما لو شهد أحدهما بالبيع، وشهد الآخر على الإقرار بالبيع حيث تقبل الشهادة، ولو شهد أحد الشاهدين له بالملك، وشهد الآخر على إقرار الغاصب له بالملك؛ لا تقبل الشهادة؛ لأن المشهود به مختلف؛ لأن الملك المطلق الثابت بالشهادة غير الملك المطلق الثابت بالإقرار حتى يستحق بالأول الزوائد المنفصلة دون الثاني.
وإذا ادعى جارية في يدي رجل أنها جاريته غصبها هذا منه، وشهد أحد الشاهدين بذلك، وشهد الآخر أنها جاريته غصبها هذا منه؛ تقبل الشهادة؛ لأنهما اتفقا على الملك، وتفرد أحدهما بالزيادة فتقبل الشهادة على ما اتفقا عليه.
ادعى جارية في يدي رجل أنها له غصبها صاحب اليد منه، ولم يشهد شهود المدعي بالغصب، وإنما شهدوا له بالملك، فأراد القاضي أن يقضي بالجارية للذي أقام البينة هل يحلفه بالله ما بعت، ولا أديت له فيه؟ قال: لا، إلا أن يدعي صاحب اليد شيئًا من ذلك، وعن أبي يوسف إنه عدم، وإن لم يطلب الخصم، فيكون أحكم للقضاء وأبرم. وأجمعوا أن من ادعى دينًا في التركة، فالقاضي يحلفه مع إقامة البينة أنك ما استوفيت الدين، ولا أبرأته وإن لم يدع الخصم ذلك، وهذه المسألة تشهد لأبي يوسف.
وإذا ماتت الدابة المغصوبة، ووقع الاختلاف بين الغاصب والمغصوب منه، فقال الغاصب: رددت الدابة عليك، ونفقت عندك، وقال المغصوب منه: لا بل نفقت عندك من ركوبك، ولم يكن لواحد منهما بينة، فالقول قول رب الدابة؛ وذلك لأن الغاصب أقر بالسبب الموجب للضمان، وهو الغصب، وادعى ما يبرئه فيكون القول قول صاحب المال؛ كما لو قال: أكلت مالك بإذنك، أو أخذت مالك بإذنك، وأنكر صاحب المال؛ كان القول قوله لما ذكرنا أنه أقر بالسبب الموجب للضمان، وادعى ما يبرئه فلم يصدق إلا ببينة، فكذلك هذا فإن أقاما جميعًا البينة؛ أقام رب الدابة البينة أنها نفقت عند الغاصب من ركوبه، وأقام الغاصب البينة أنه قد ردها عليه، ثم ماتت في يده، فإن الغاصب يضمن قيمتها.
فرق بين هذا وبينما إذا أقام البينة أنه ردها على المالك، وأقام المغصوب منه البينة أنها نفقت عند الغاصب، ولم يشهد أنها نفقت من ركوبه، فلا ضمان على الغاصب، وبين المسألتين فرق من حيث الصورة؛ أما لا فرق بين المسألتين من حيث المعنى، وذلك؛ لأنا نعمل بالبينتين جميعًا في الموضعين، ويجعل كأن الأمرين كانا في المسألتين يجعل في المسألة الأولى كأن الغاصب رد دابته ثم ركب بعد الرد، ونفقت من ركوبه ويجعل في المسألة الثانية كأنه ردها، ثم نفقت عند الغاصب بعد الرد؛ إلا أن العمل بالبينتين جميعًا في مسألة الركوب توجب الضمان؛ لأنه متى ردها على المالك ثم ركب بعد الرد، ونفقت من ركوبه ضمن، ويكون هذا غصبًا آخر منه، فصار ضامنًا، والعمل بالبينتين في المسألة الأخرى لا يوجب على الغاصب ضمانًا؛ لأنه متى رد ثم نفقت الدابة بعد الرد عند الغاصب من غير صنعه بأن انفلتت الدابة بعد الرد ونفقت عنده، لا يكون ضمانها عليه فكذلك هذا، وذكر شمس الأئمة السرخسي في (شرحه) الفرق: أن ما ذكر أنه لا ضمان على الغاصب قول محمد، أما على قول أبي يوسف هو ضامن.
وإذا اختلف رب الثوب والغاصب في قيمة الثوب، وقد استهلكه الغاصب، فالقول قول الغاصب مع يمينه؛ لأنه منكر الزيادة، والبينة بينة رب الثوب؛ لأنها تثبت الزيادة، وإن لم يكن لرب الثوب بينة، وجاء الغاصب ببينته أن قيمة ثوبه كذا، وكذبه رب الثوب وسأل القاضي يمين الغاصب، فإنه يحلف على دعواه، فلا تقبل بينته؛ لأن بينته تنفي الزيادة، والبينة على النفي لا تقبل؛ قال بعض مشايخنا: ينبغي أن تقبل بينة الغاصب لإسقاط اليمين عن نفسه، وقد تقبل البينة لإسقاط اليمين؛ ألا ترى أن المودع إذا ادعاه رد الوديعة يقبل قوله، ولو أقام البينة على ذلك قبلت بينته، وطريقه ما قلنا.
وبعض مشايخنا قالوا: ينبغي أن يكون في كل فصل روايتان، وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي يقول: هذه المسألة عدت مشكلة، ومن المشايخ من فرق بين مسألة الوديعة وبين هذه المسألة، وهو الصحيح.
ولو شهد لرب الثوب أحد الشاهدين أن قيمة ثوبه كذا، وشهد الآخر على إقرار الغاصب أن قيمة ثوبه كذا؛ لا تقبل هذه البينة؛ لأن المشهود به يختلف، وإن جاء الغاصب بثوب مرتي، فقال: هذا الذي غصبتكه، وقال رب الثوب: بل هو ثوب هروي، فالقول قول الغاصب مع يمينه، ويحلف بالله أن هذا الثوب ثوبه الذي غصبه إياه، وما غصبه ثوبًا هرويًا قال مشايخنا: والصواب ما ذكره في كتاب الاستحلاف أنه يكفيه أن يقول: بالله ما غصبت هرويًا كما يدعيه المالك، وإن جاء بثوب مروي وقال: هذا الذي غصبتك، وهو على حاله، وقال رب الثوب بل كان ثوبي جديدًا حين غصب، فالقول قول الغاصب مع يمينه.
وإن أقاما البينة فالبينة بينة رب الثوب، فإن لم يقم واحد منهما بينة، وحلف الغاصب، وأخذ رب الثوبِ الثوبَ، ثم أقام بينة أنه غصبه إياه، وهو جديد؛ ضمن الغاصب فضل ما بينهما، هكذا ذكر في (الأصل) قال شمس الأئمة الحلواني: هذا إذا كان النقصان يسيرًا، فإن كان فاحشًا، فرب الثوب بالخيار؛ إن شاء أخذ الثوب، وضمنه النقصان، وإن شاء ترك الثوب عليه، وضمنه قيمة الثوب.
رجل ادعى ثوبًا في يدي رجل أنه له، وأن صاحب اليد غصبه منه، وأقام صاحب اليد البينة أن المدعي وهبه منه أو أقر له، فإنه يقضى به لذي اليد ويجعل كأن صاحب اليد غصب، أو لأنه وهبه المدعي أو باعه منه.
ولو ادعى رجل أن الثوب له وأن صاحب اليد غصبه منه، وأقام على ذلك بينة وأقام رجل آخر أن صاحب اليد أقر له بهذا الثوب، فإنه يقضى به للذي أقام البينة أن الثوب له، ويجعل كأن صاحب اليد غصب أولًا حتى يصير الثوب في يده، فيصح الإقرار، وإذا جعل كأن صاحب اليد غصب أولًا جعل مقرًا بملك الغير، والإقرار بملك الغير لا يعتبر.
إذا قال: غصبتك هذه الجبة ثم قال: البطانة لي، أو قال: الحشو لي، لم يصدق؛ لأنه رجع بعد الإقرار فإن اسم الجبة اسم للكل.
ولو قال: غصبتك هذا الخاتم، أو هذه الدار، أو هذه الأرض، ثم قال بعد ذلك:.... الخاتم لي، أو قال: بناء الدار لي، أو شجر الأرض لي، فكذلك الجواب لا يصدق؛ لأن اسم الخاتم اسم للكل، فيصير راجعًا بعد الإقرار، ولو قال: غصبت هذه البقرة من فلان، ثم قال: ولدها لي؛ قبل قوله.
فرق بين الإقرار والشهادة، فإنه إذا شهد شاهدان لرجل أن هذه بقرته، ولها ولد، فإن المشهود له يستحق البقرة مع الولد.
وفي (القدوري): وإذا شهد شهود المدعي بغصب العبد، وموته عند الغاصب، وشهد شهود الغاصب أن العبد مات في يد مولاه قبل الغصب؛ لم ينتفع بهذه البينة؛ يعني الغاصب؛ لأن شهود الغاصب عرفوا يد المولى، ولم يعرفوا الغصب، وشهود المدعي عرفوا الغصب، فكانت شهادتهم أولى.
إذ أقام المدعي بينة أن الغاصب غصبه يوم النحر بالكوفة، وأقام الغاصب البينة أنه كان يوم النحر بمكة أو العبد، فالضمان واجب على الغاصب؛ لأن البينة التي أقامها الغاصب على كونه يوم النحر بمكة لا يتعلق بها حكم، فيطلق ضرورة.
وقال محمد رحمه الله في (الإملاء): إذا شهد شهود الغاصب أنه مات في يد المغصوب منه، وشهد شهود المغصوب منه أنه مات في يد الغاصب، فالبينة بينة الغاصب؛ لأن بينة المالك لا تثبت بإقرار الغاصب، فإن الضمان يجب بالغصب لا بالموت، والغاصب قد أقر بالغصب، فخرجت بينة المالك من البين والغاصب ببينته يثبتت الرد حيث أثبت الموت في يد المالك، وسيأتي بعد هذا عن أبي يوسف بخلافه.
في (المنتقى) ابن سماعة عن أبي يوسف: في رجل غصب من آخر عبدًا، فوجد المغصوب منه عبده فأخذه، وفي يده مال، فقال الغاصب: هو مالي، وقال المغصوب منه: هو مالي، قال: إن كان العبد في منزل الغاصب، والمال في يده فهو للغاصب، وإن لم يكن في منزل الغاصب، فهو للمغصوب منه.
بشر عن أبي يوسف: غاصب الثوب إذا قال: صبغته أنا، وقال المغصوب منه: غصبته مصبوغًا، فالقول قول المغصوب منه، وكذلك إذا اختلفا في بناء الدار، وحلية السيف فهو مثل اختلافهما في الصبغ.
عمرو بن أبي عمرو عن محمد رحمه الله: إذا وقع الاختلاف في بناء الدار، فالقول قول رب الدار؛ كما قال أبو يوسف، قال: وإن أقاما البينة، فالبينة بينة الغاصب، قال وكذلك النخيل والشجر في الأرض، ولو اختلفا في متاع موضوع في الدار المغصوبة أو في آجر موضوع أو في باب موضوع فالقول قول الغاصب والبينة بينة المغصوب منه.
رجل غصب عبد رجل وباعه، وسلم العبد، وقبض الثمن، ومات العبد في يد المشتري، فقال المالك: أنا أمرته بالبيع، فالقول قوله، ولو قال: لم أقره ولكني أجزت البيع حين بلغني؛ لم يلتفت إلى قوله، ولا سبيل له على الثمن إلا أن يقيم البينة أنه أجاز البيع قبل موت العبد.
هشام في (نوادره): سألت محمدًا عن رجل أتى سوقًا، وصب لإنسان زيتًا أو سمنًا، أو شيئًا من الأدهان أو الخل، وعاينت البينة ذلك، وشهدوا عليه فقال الجاني: صببت، وهو نجس قد ماتت فيه الفأرة، فالقول قوله، فإن (دخل) إلى سوق القصاص، فعمد إلى طواس اللحم، فرمى بها، واستهلكها، والشهود عاينوا ذلك، فشهدوا عليه، فقال الجاني: هي ميتة؛ قال: لا أصدقه على ذلك، ويسع الشهود أن يشهدوا أنها ذكية؛ لأنه لا يباع في السوق لحم ميتة، ويباع فيه زيت وسمن قد ماتت فيه الفأرة.
إبراهيم عن محمد: رجل اتخذ من طين لبنًا أو جدارًا، فهو له، وعليه قيمة الطين، وإن قال رب الطين: أنا أمرته أن يتخذه؛ قال هو لرب الطين.
بشر عن أبي يوسف: إذا شهد شهود الغاصب أن رب العبد قبضه منه، فمات عنده، وشهد شهود المغصوب منه أن العبد قد مات عند الغاصب، فالغاصب ضامن لقيمته؛ قال أبو الفضل: وهذا خلاف جواب (الأصل).

.الفصل التاسع في تملك الغاصب المغصوب، والانتفاع به:

ذكر في (فتاوى أبي الليث) عن الفقيه أبي بكر الإسكاف فيمن غصب من آخر لحمًا وطبخه، وغصب حنطة، وطحنها، وصار المال له، ووجب عليه القيمة فأكله حلال في قول أبي حنيفة رضي الله عنه، وفي قول أبي يوسف أكله حرام قبل أن يرضى صاحبه.
وفي (فتاوى أهل سمرقند): من غصب من آخر طعامًا فمضغه حتى صار بالمضغ مستهلكًا، فلما ابتلعه حلالًا في قول أبي حنيفة رضي الله عنه خلافًا لأبي يوسف رحمه الله بناء على أن شرط الطيب الملك بالبدل عند أبي حنيفة، وعندهما أداء البدل. حكي عن الشيخ الإمام الزاهد نجم الدين عمر النسفي أنه كان لا يصحح ما ذكر عن أبي حنيفة في هاتين المسألتين، وكان ينكر أن يكون ذلك قول أبي حنيفة، وكان يقول: الصحيح عند المحققين من مشايخنا على قضية مذهب أصحابنا أن الغاصب لا يملك المغصوب إلا عند أداء الضمان، أو قضاء القاضي بالضمان، أو تراضي الخصمين على الضمان.
وإذا وجد شيء من هذه الأشياء الثلاثة ثبت الملك، وما لا فلا، وبعد وجود شيء من هذه الأشياء الثلاثة إذا ثبت الملك لا يحل للغاصب تناوله؛ لأنه استفاده بفعل لا يحل، فصار كالمملوك بالبيع الفاسد عند القبض؛ إلا أن يجعله صاحبه في حل فحينئذٍ يباح تناوله لانقطاع ذلك السبب.
وفي (القدوري): غصب حنطة، وزرعها فعليه مثلها، ويتصدق بالفضل، ويكره الانتفاع بها حتى يرضى صاحبها، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وعلى قول أبي يوسف على ما روى عنه بشر؛ لا يكره الانتفاع قبل أداء الضمان، وعلى ما روى عنه هشام؛ يكره الانتفاع.
فرق أبو يوسف بين هذه المسألة، وبين إذا غصب من آخر حنطة، وطحنها على رواية بشر، فإن تلك المسألة يكره له الانتفاع قبل أداء الضمان عنده باتفاق الروايات، والفرق: أن الطحن ليس بإتلاف حقيقة، وإنما هو تغير لصفة العين، فجاز أن يبقى حق المالك لقيام المعنى، فأما الحنطة إذا زرعت هلكت، فلم يبق لها عين يتعلق به حق المغصوب منه، فلم يكره الانتفاع به قبل أداء الضمان لهذا، وعلى هذا الأصل قال أبو يوسف: إذا غصب من آخر نوًا، وغرسه، واتخذ منه نخلًا، فلا بأس بالانتفاع به قبل أن يرضى صاحبه، ولو غصب بالة، وغرسها حتى صار نخلًا؛ كره الانتفاع بها قبل أن يرضى صاحبه؛ لأن النوى يعفن ويهلك، والبالية تزيد في نفسها وأبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف على رواية هشام؛ إنما كرهوا الانتفاع قبل أداء الضمان؛ حتى لا يصير سببًا لفتح باب تناول أموال الناس بالباطل.
وروي عن أبي حنيفة رضي الله عنه في الشاة المغصوبة: إذا ذبحها وشواها، لم يسع له أن يأكلها، ولا يطعم أحدًا حتى يضمن، وإن كان صاحبها غائبًا، أو حاضرًا لايرضى بالضمان لا يسع له الأكل، وإذا دفع الغاصب قيمتها حل له الأكل؛ لأن حق المالك صار موفى بالبدل، وكذلك إذا أبرأه أصلًا؛ لأن حقه سقط بالبراءة، وكذلك إذا ضمنه المالك القيمة، أو ضمنه الحاكم؛ لأن الحاكم لا يضمنه إلا بعد طلبه فكان راضيًا به.
وقال زفر رحمه الله: بعدما طحن الحنطة وشوى اللحم فله أن يأكل، ويطعم من شاء، فلا يعتبر رضا المغصوب منه؛ لأن حق المغصوب منه قد انقطع عن العين، وتقررت في القيمة، فلا يعتبر برضاه.
ولو غصب بيضة فحضنه، فخرج فراريخ، فلا بأس بأن ينتفع بها قبل أن يؤدي ضمان النقص؛ لأنه قد تغير عن حال الغصب.
ولو غصب من آخر عصفرًا، وصبغ به ثوبًا، أو غصب من آخر سمنًا ولت به سويقًا لم يسع له أن ينتفع حتى برضى صاحبه في (المنتقى).
وفيه أيضًا: كل ما غاب عنه صاحبه من ذلك، ويخاف عليه الفساد، فلا بأس بأن ينتفع به بعدما شهد على نفسه بضمانه، وليس يخرجه ذلك من إثم الغصب.
رجل غصب من آخر جارية فعتقها فقال رب الجارية: قيمة جاريتي ألفان، وقال الغاصب: لا بل ألف، وحلف على ذلك، وقضى القاضي على الغاصب بألف لرب الجارية؛ لم يحل للغاصب أن يستخدمها ولا يطأها ولا يبيعها، وليس كلها له إلا أن يعطيه قيمتها بأتمه، وإن أعتقها الغاصب بعد القضاء بالقيمة الناقصة؛ جاز عتقه، وعليه تمام القيمة كالعتق في الشراء الفاسد إذا تملك الغاصب المغصوب بالضمان، ثم نظر إليه فوجده معيبًا، فله أن يرده بالعيب، ولكن بعد أن يحلف بالله لقد ضمن القيمة، ولم يعلم بالعيب، وكذلك له أن يرد بخيار الرؤية.
وعن أبي يوسف في السيل يذهب بحنطة رجل، فيقع في أرض رجل فنبتت قال: إن كان للحنطة ثمن، فإن جميع ما يخرج منها لصاحب الحنطة، ويتصدق بالفضل، ولا شيء عليه من نقصان الأرض.
اشترى جارية بثوب مغصوب؛ لا يحل له وطؤها قبل أداء الضمان؛ لأنه لو استحق الثوب يلزمه رد الجارية.
ولو تزوج امرأة بثوب مغصوب؛ حل له وطؤها؛ لأنه لو استحق الثوب لا يبطل النكاح.
في أول غصب شمس الأئمة السرخسي، وفي (المنتقى): ابن سماعة في (نوادره) عن محمد في رجل غصب من آخر ألف درهم؛ وتزوج بها امرأة أو اشترى ثوبًا؛ وسعه وطء المرأة، ولبس الثوب، قال من قبل أن العقد جاز على ألف درهم، ولم يقع على تملك الدراهم بعينها، فلا أبالي نقدها، أو غيرها.
وفيه أيضًا: لو اشترى بالألف المغصوبة جارية أو ثوبًا، ودفع الألف في الثمن إلى البائع، ثم باع الأمة، أو الثوب بفضل طاب له الفضل.
وفيه أيضًا: إبراهيم عن محمد غصب من آخر دراهم، واشترى بها دنانير؛ قال: لا يسعه أن ينفق الدنانير؛ لأن الدراهم إذا استحقت بعدما افترقا انتقض البيع في الدنانير، فإن قضى على غاصب الدراهم بمثلها حلت له الدنانير.
اشترى بدراهم مغصوبة أو بدراهم اكتسبها من الحرام شيئًا، فهذا على وجوه؛ أما إن دفع إلى البائع تلك الدراهم، أولًا، ثم اشترى منه بتلك الدراهم. أو اشترى قبل الدفع بتلك الدراهم، ودفعها أو اشترى قبل الدفع بتلك الدراهم، ودفع غير تلك الدراهم، أو اشترى مطلقًا، ودفع تلك الدراهم، أو اشترى بدراهم أخر، ودفع تلك الدراهم، وفي الوجوه كلها لا يطيب له التناول قبل ضمان الدراهم، وبعد الضمان لا يطيب له الربح؛ هكذا ذكر في (الجامع الصغير) قال أبو الحسن الكرخي: هذا الجواب صحيح في الوجه الأول والثاني، وأما في الوجه الثالث والرابع والخامس فلا، واليوم الفتوى على قول أبي الحسن لكثرة الحرام دفعًا للحرج عن الناس، وعلى هذا تقرر رأي الشيخ الإمام الأجل الشهيد.
ذكر في الباب الأول من شرح (الواقعات) نهر مغصوب، جاء إنسان وأراد الغوص أو الشرب منه إن حول الغاصب النهر عن موضعه يكره؛ لأنه انتفاع بملك الغير، وصار كالصلاة في الأرض المغصوبة، وإن لم يحول لا يكره؛ لأن الناس شركاء في الماء.
رجل غصب طاحونة، وأجرى ماءها في أرض غيره من غير طيب من نفس صاحب الأرض؛ لا يحل للمسلمين الانتفاع بهذه الطاحونة إذا علموا بذلك؛ لا شراء ولا إجارة ولا طحنًا بأجر ولا عارية؛ لأنه استعمال لملك الغير.
الأكل من أرض الجور، يريد به أرض المملكة، وهي الأض يطيب نصيب الأكل، ولهم إذا أخذوا مزارعة، وإجارة؛ لأنهم ملكوه، وفي الكروم والأشجار إن كان يعرف أربابها لا يطيب للإكراه ولا لغيره؛ لأنه بملك الغير، وإن لم يعرفوا طاب للإكراه نصيبهم؛ لأن التدبير في معاملته إلى السلطان، وصار بمنزلة أرض بيت المال، أما نصيب بيت المال ينبغي للسلطان أن يتصدق به، فإن لم يفعل فلا إثم عليه؛ هذا الذي ذكرنا طريق الحكم، أما طريق الاحتياط، ما روى خلف بن أيوب: أنه كان لا يأكل من طعام بلخ إلا وقت تباح له الميتة وكان لا يملك مدر الشيخ؛ لأن السلطان أخذ ضياع علي بن عيسى لنفسه؛ لكن في هذا الزمان الاختيار عن هذه الشبهات قدر ما يمكن حتى روي عن علي بن إبراهيم أنه سئل عن هذه الشبهات، فقال: ليس هذا زمان الشبهات؛ اتق الحرام عيانًا بمعنى إن اجتنبت عن غير الحرام كفاك، وذكر بعد هذا أن الشبهة إلى الحرام أقرب، قيل هكذا قال أبو يوسف؛ لأنه لو لم يكن حقيقة يجعل كذلك احتياطًا، وأما المكروه: تكلموا، والمختار ما قاله أبو حنيفة، وأبو يوسف: إنه إلى الحرام أقرب، وقد روي عن محمد نصًا أن كل مكروه حرام ما لم يقم الدليل بخلافه.
في (فتاوى أهل سمرقند): غصب حانوتًا وأغل فيه وربح؛ طاب له الربح؛ لأنه حصل بالتجارة.
في (فتاوى أبي الليث): إذا أعلف دود القز من أوراق اتخذها بغير إذن المالك؛ قال أبو النعيم: عليه أن يتصدق بالفضل على قيمة دوده يوم يبيع العلق.
في (المنتقى) قال أبو يوسف: إذا غصب رجل أرضًا، وبناها حوانيت وحمامًا ومسجدًا؛ فلا بأس بالصلاة في ذلك المسجد، فأما الحمام، فلا يدخل، ولا تستأجر الحوانيت؛ قال: ولا بأس بأن يدخل الحوانيت لشراء متاع، قال هشام: وأنا أكره الصلاة فيه حتى تطيب ذلك....، وأكره شراء المتاع في أرض غصب، أو حوانيت غصب، ولا أرى أن يقبل شهادة الذي يبيع في حوانيت الغصب إذا علم أن ذلك غصب.
إذا أراد أن يمر في أرض الغير؛ إن كان له طريق آخر ليس له أن يمر في أرض الغير، وإن لم يكن له طريق آخر له أن يمر في أرض الغير ما لم يمنعه عن ذلك صريحًا، وهذا في حق الواحد، فأما الجماعة فليس لهم أن يمروا في أرض الغير إلا برضاه صريحًا؛ لأن مرور الواحد لا يضر بالأرض ضررًا فاحشًا فلم يكن صاحب الأرض راضيًا به دلالة، فيشترط الرضاء صريحًا، وإذا أراد المرور في الطريق المحدث إن علم أن صاحب الملك هو الذي جعل ملكه طريقًا أحل له المرور فيه، وإن لم يعلم ذلك، ولكن لا يعلم أيضًا أنه غصب، فكذلك الجواب، هكذا نقل عن بعض مشايخ بلخ رحمهم الله،

.الفصل العاشر في الأمر بالإتلاف:

إذا أمر غيره بأخذ مال الغير، فالضمان على الآخذ، ولا رجوع له على الآمر؛ لأن الأمر لم يصح، وفي كل موضع لم يصح الأمر، فالضمان على المأمور من غير رجوع، وأما الجابي إذا أمر العوان بالأخذ؛ قال الصدر الشهيد: فيه نظر باعتبار الظاهر؛ لا ضمان على الجابي، وإنما الضمان على الآخذ، وباعتبار السوائم يجب الضمان على الجايي فيتأمل عند الفتوى، والمختار أنه لا يجب الضمان على الحبابي، فأما الجابي إذا أرى العوان بيت صاحب الملك، ولم يأمره بشيء، أو الشريك إذا أرى العوان بيت الشريك حتى أخذ المال، وأخذ من بيته رهنًا بالمال الذي طولب به لأجل ملكه وضاع الرهن، فالشريك والجايي لا يضمنان بلا شبهة، والكلام في هذا الفصل أظهر؛ لأنه لم يوجد منهما أمر ولا عمل، ودفع العوان في الجملة ممكن بطريقته، فأما دفع السلطان غير ممكن.
وإذا أخذ الرجل غيره بأن يذبح له هذه الشاة، وكانت الشاة لجاره؛ ضمن الذابح علم أن الشاة لغير الآمر أو لم يعلم، وهل يرجع بالضمان على الآمر؟ إن علم أن الشاة لغير الآمر حتى علم أن الأمر لم يصح لا يكون له حق الرجوع، وإن لم يعلم حتى ظن صحة الأمر رجع، وذكر شيخ الإسلام هذه المسألة مع أجناسها في شرح كتاب الديات.
في غصب (فتاوى أبي الليث): سئل أبو بكر عن رجل جاء بدابة إلى شط نهر ليغسلها، وهناك رجل واقف، فقال الذي جاء بالدابة للرجل الواقف: أدخل هذه الدابة النهر، فأدخلها وغرقت الدابة وماتت الدابة، والآمر سائس الدابة، إن كان الماء بحال يدخل الناس فيه دوابهم للغسل والسقي؛ لا ضمان على أحد؛ لأن للسائس أن يفعل ذلك بيده، ويد غيره، وإن لم يكن الماء بحال يدخل الناس دوابهم فيه، فلصاحب الدابة الخيار؛ إن شاء ضمن السائس، وإن شاء ضمن المأمور، وهكذا ذكر هاهنا، وفيه نظر ينبغي أن لا يجب الضمان على الآمر، وهو السائس؛ لأن مجرد الأمر بالإتلاف إنما يوجب الضمان على الآمر إذا كان الآمر هو السلطان، أو من بمعناه؛ فإن ضمن للسائس لا يرجع السائس على المأمور، وإن ضمن المأمور إن كان المأمور لم يعلم أن الآمر ليس له الدابة حتى ظن صحة الأمر رجع على السائس.
وفيه أيضًا: رجل قال لغيره: خرق ثوبي هذا، وارم الماء.... ففعل المأمور ذلك، فلا ضمان عليه؛ لأنه فعل بأمره لكنه يأثم؛ لأنه إضاعة المال بلا فائدة.
في (العيون) قال لآخر: احفر لي بابًا في هذا الحائط، ففعل فإذا الحائط لغيره ضمن الحافر؛ لأنه ملك الغير، ويرجع على الآمر؛ لأن الأمر قد صح بزعمه، فإنه قال: احفر لي، وإنه يدل على كونه مالكًا وكذلك إذا قال: احفره في حائطي أو لم يقل ذلك، ولكن كان ساكنًا في ذلك الدار؛ لأنه من علامات الملك أيضًا، ولو لم يقل: لي ولم يقل في حائطي، ولم يكن ساكنًا في ذلك الدار؛ لأنه من علامات الملك أيضًا، ولو لم يقل في حائطي، ولم يكن ساكنًا في تلك الدار، ولم يستأجره على ذلك، فلا رجوع له على الآمر؛ لأن الأمر لم يصح بزعمه.

.الفصل الحادي عشر في زراعة الأرض المغصوبة، والبناء فيها:

في (فتاوى أبي الليث): غصب من آخر أرضًا، وزرعها ونبتت، فلصاحبها أن يأخذ الأرض، ويأمر الغاصب بقلع الزرع تفريغًا لملكه، فإن أبى أن يفعل، فللمغصوب منه أن يفعل ما لو رفع إلى الحاكم كان يفعله يريد به أن للمغصوب منه أن يقلعه بنفسه.
في (العيون): غصب من آخر أرضًا، وزرعها حنطة، ثم اختصما، وهي بذر لم ينبت بعد، فصاحب الأرض بالخيار؛ إن شاء تركها حتى ينبت، ثم يقول له: اقلع زرعك، وإن شاء أعطاه ما زاد البذر فيه.
وطريق معرفة ذلك ما روى هشام عن محمد رحمه الله أنه تقوم الأرض وليس فيها بذر، وتقوم وفيها بذر، فيضمن فضل ما بينهما. وروى المعلى عن أبي يوسف: أنه يعطيه مثل بذره، والمختار أنه تقوم الأرض غير مبذور، وتقوم وهي مبذور ببذر لغيره حق القلع، ففضل ما بينهما قيمة ما بذر، مبذور في أرض الغير كذلك للغير حق القلع.
في (المنتقى) المعلى في (نوادره) عن أبي يوسف: أرض بين رجلين زرعها أحدهما بغير إذن شريكه، وتراضيا على أن يعطي غير الزارع الزارع نصف البذر، ويكون الزرع بينهما نصفين؛ قال: إن كان ذلك منهما بعدما نبت الزرع فهو جائز، وإن كان قبل أن ينبت؛ لا يجوز؛ لأن غير الزارع يصير مشتريًا نصف الزرع، وشراء الزرع قبل النبات لا يجوز. وإن كان الزرع قد نبت، فأراد الذي لم يزرع أن يقلع الزرع، فإن الأرض تقسم بينهما نصفين، فما أصاب الذي لم يزرع من الأرض قلع ما فيه من الزرع، ويضمن له الزارع ما دخل أرضه من نقصان القلع.
غصب بالة من أرض إنسان، فزرعها في ناحية أخرى من تلك الأرض، فكبرت البالة وصارت شجرة، فالشجرة للغارس، وعليه قيمة البالة لصاحبها يوم غصبها، ويؤمر الغارس بقلع الشجرة.
وكذلك لو غرس رجل مال نفسه في أرض غيره، فلصاحب الأرض أن يأمره بقلعها، وإن كان القلع يضر بالأرض أعطاه صاحب الأرض قيمة شجرته، ولكن مقلوعة؛ كذا قيل، وعلى قياس مسألة الزرع التي تقدم ذكرها إنه يمكن بيان إعطاء صاحب الأرض قيمة شجرته لغيرها حق القلع.
وفي (فتاوى الفضلي): رجل زرع أرض نفسه فجاء آخر، وألقى بذره في تلك الأرض، وقلب الأرض قبل أن ينبت بذر صاحب الأرض، أو لم يقلب، وسقى الأرض حتى نبت البذران، فالنابت يكون للثاني عند أبي حنيفة رضي الله عنه؛ لأن خلط الجنس بالجنس عنده استهلاك، وللأول على الثاني قيمة بذره، ولكن مبذورًا في أرض نفسه، فيقوم الأرض ولا بذر فيها، ويقوم وفيها بذر، فيرجع بفضل ما بينهما، فإن جاء الزارع الأول، وهو صاحب الأرض، وألقى فيها بذر نفسه مرة أخرى، وقلب الأرض قبل أن ينبت البذران؛ أو لم يقلب، ولكن سقى الأرض فنبتت البذور كلها، فجميع ما نبت لصاحب الأرض، وعليه للغاصب مثل بذره، ولكن مبذورًا في أرض غيره، هكذا ذكر ولم يشبع الجواب.
والجواب المشبع: أن الغاصب يضمن لصاحب الأرض قيمة بذره مبذورًا في أرض نفسه، ثم يضمن صاحب الأرض للغاصب قيمة البذرين لكن مبذورًا في أرض الغير؛ لأن الاختلاف كذلك ورد، هذا كله إذا لم يكن الزرع نابتًا.
فأما إذا نبت زرع المالك، فجاء رجل، وألقى بذره وسقى، فإن لم يقلب حتى نبت الثاني فالجواب كما قلنا، وإن كان لا ينبت مرة أخرى كما ينبت فهو للغاصب، ويضمن الغاصب للمالك قيمة زرعه نابتًا؛ لأن الإتلاف كذا ورد.
في (النوازل): غصب أرضًا، وبنى فيها حائطًا، فجاء صاحب الأرض، وأخذ الأرض، فأراد الغاصب أن يأخذ الحائط، فإن كان الغاصب بنى الحائط من تراب هذه الأرض؛ ليس له، ويكون لصاحب الأرض؛ لأنه لو نقض صار ترابًا كما كان، فيكون عليه تركه، فلا يفيد النقض، وإن بنى الحائط لا من تراب هذه الأرض، فله النقض؛ لأنه لو نقض لا يكون عليه تركه؛ بل يكون له النقل فكان النقض مفيدًا.
وفي (فتاوى أهل سمرقند): بنى رجل حائطًا في كرم رجل بغير أمره، فإن لم يكن للتراب قيمة، فالحائط لصاحب الكرم، والباني معين؛ لأنه لم يصر غاصبًا التراب، وإن كان للتراب قيمة، فالحائط للباني، وعليه قيمة التراب؛ لأنه صار غاصبًا للتراب، فصار ضامنًا.

.الفصل الثاني عشر فيما يلحق العبد الغصب، فيجب على الغاصب ضمانه:

قال القدوري في (كتابه): غصب من آخر عبدًا أو جارية، فأبق في يد الغاصب، ولم يكن أبق قبل ذلك، أو زنت أو سرقت، ولم تكن فعلت ذلك قبل ذلك، فعلى الغاصب ما انتقص بسبب السرقة والإباق، وعيبة الزنا؛ لأن هذه العيوب لازمة توجب نقصان القيمة، فالواجب على الغاصب أن يرده على الوجه الذي غصبه معنىً.
وكذلك كل ما حدث في يد الغاصب مما ينتقص القيمة من عور أو شلل أو ما أشبه ذلك كان مضمونًا عليه، فيقوم العبد صحيحًا، ويقوم وبه العيب فيأخذه، ويرجع بفضل المولى بينهما، وإن أصابه عمى في يد الغاصب، أو أصابه بياض في عينه لم يرده على المولى ورد معه الأرش، ثم ذهب العمى وزال البياض، فللغاصب أن يرجع على المولى بالأرش، وإن حبلت عند الغاصب من الزنا فردها على المولى كذلك.... يرد معها النقصان، فينظر إلى أرش عيب الزنا، وإلى ما نقصها الحبل فيضمن الأكثر من ذلك، ويدخل الأقل في الأكثر، وهذا استحسان أخذ به أبو يوسف؛ لأن السبب متحد، وهو الزنا، فتعذر الجمع بين الضمانين، ويدخل الأقل في الأكثر.
والقياس: أن يضمن الأمرين جميعًا، وهو قول محمد؛ لأنهما عيبان مختلفان، فإن ولدت في يد المالك، وسلمت من الولادة، فإنه يروى عن أبي يوسف: أنه ينظر إلى أرش الحبل وإلى أرش عيب الزنا، فإن كان عيب الزنا أكثر لا يرد شيئًا، وإن كان أرش الحبل أكثر رد الفضل عن عيب أرش عيب الزنا؛ لأن عيب الزنا ثابت، وقد ذهب عيب الحبل.
فإن ماتت من الولادة، وبقي ولدها، فعلى قول أبي حنيفة رضي الله عنه؛ ضمن الغاصب جميع قيمتها، وعلى قولهما ضمن نقصان الحبل خاصة؛ هكذا ذكر (القدوري).
وفي (المنتقى) عن محمد: أن الجارية تقوم غير حامل ولا زانية، وتقوم وهي حامل وزانية فيرجع بفضل ما بينهما.
ولو حبلت عند الغاصب من زوج قد كان لها في يد المولى، فلا ضمان على الغاصب في ذلك بحال؛ لأن ذلك من تسليط المولى الزوج عليه، فأشبه فعل المولى. ولو أحبلها المولى بنفسه في يد الغاصب؛ لا ضمان على الغاصب في ذلك كذلك هاهنا، ولو حمت في يد الغاصب ثم ردها على المولى، فماتت في يد المولى من الحمى التي كانت في يد الغاصب؛ لم يضمن إلا ما نقصها الحمى؛ لأن الموت إنما يحصل بزوال القوى، وذلك بترادف الآلام، فلم يكن الموت حاصلًا بسبب كان في ضمان الغاصب، وإنما الحاصل في ضمانه نقصان الحمى، فيضمن قدر نقصان الحمى لهذا.
ولو غصب جارية محمومة أو حبلى بها جراح، أو مرض، فماتت من ذلك في يد الغاصب، فهو ضامن قيمتها، وبها ذلك المرض.
ولو قتل العبد المغصوب في يد الغاصب قتيلًا، حرًا، أو عبدًا، أو جنى جناية فيما دون النفس يخير المولى إن شاء دفع أو فداه ويرجع على الغاصب بالأقل من قيمته، ومن أرش الجناية، وإن استهلك مالًا، وخوطب الولي بالبيع أو الفداء رجع بالأقل من قيمته، ومما إذا عمت به من الدين.
وإن غصبه، وقيمته ألف درهم، فصار قيمته بعد ذلك ألفي درهم، ثم قتله قاتل في يد الغاصب، فالمولى بالخيار؛ إن شاء ضمن الغاصب قيمته يوم الغصب ألف درهم، فرجع الغاصب على القاتل بألفي درهم، ويتصدق بالألف الزائد، وإن شاء ضمن القاتل قيمته يوم القتل ألفي درهم، ولا يرجع القاتل على الغاصب بشيء.
ولو قتل العبد نفسه في هذه الصورة ضمن الغاصب قيمته يوم الغصب ألف درهم، ولا يضمن قيمته يوم القتل؛ لأن قتل الإنسان نفسه لا يتعلق به حكمه، فصار كموته.

.الفصل الثالث عشر في غاصب الغاصب ومودع الغاصب:

يخير المالك بين تضمين الغاصب، وبين تضمين غاصب الغاصب، وكذا يخير بين تضمين الغاصب، وبين تضمين مودع الغاصب؛ لأن كل واحد منهما متعدٍ في حقه، فإن أراد المالك أن يضمن كل واحد نصف قيمة المغصوب، فله ذلك؛ ذكر شيخ الإسلام في باب الرهن؛ يوضع على يدي عدل.
وإذا ضمن المالك أحدهما إما الغاصب، وإما غاصب الغاصب، أو مودعه يبرأ الآخر عن الضمان، وأما إذا اختار تضمين أحدهما ولم يضمنه بعد، هل يبرأ عن الضمان؟ فيه روايتان، وفي بعض النسخ برئ الآخر عند أبي حنيفة ومحمد خلافًا لأبي يوسف، وإن ضمن الغاصب الثاني، فالغاصب الثاني لا يرجع على الأول، وإن ضمن مودع الغاصب إن لم يعلم المودع بكون المال غصبًا؛ رجع بما ضمن على الغاصب المودع، وإن علم ذلك ذكر شيخ الإسلام أنه لا يرجع، وذكر شمس الأئمة الحلواني أن فيه شبهة اختلاف الرواية.
في (المنتقى) ابن سماعة عن محمد: إذا اختار المغصوب منه تضمين الغاصب الأول، ورضي به الغاصب الأول، أو لم يرضَ إلا أن القاضي قضى له بالقيمة على الأول، فليس له أن يرجع عن ذلك ويضمن الثاني، فإن اختار تضمين الأول، فلم يعطه الأول شيئًا، وهو معدم، فالقاضي يأمر الأول بقبض ماله من الثاني، ويدفع ذلك إلى المغصوب منه، فإن أبى الأول ذلك، فمولى العبد إذا أحضر مما قبلت منه البينة على الغاصب الثاني للغاصب الأول حتى يوجد ذلك من الثاني فيقبضه المغصوب منه، قال: وهذا بمنزلة رجل له على رجل دين، وللمطلوب على رجل آخر دين.
وفيه أيضًا: ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في رجل غصب من آخر عبدًا، فقتله قاتل في يد الغاصب، فاختار المالك تضمين أحدهما لا سبيل على الآخر، وقال أبو يوسف: له أن يضمن الآخر ما لم يقض القيمة من الذي اختار تضمينه؛ قال: فإن أبرأ الغاصب، فهو بريء، ولا يرجع عليه بعد الإبراء بشيء، وإن أبرأ القاتل، فله أن يعود فيما أبرأه منه، ويأخذ منه قيمة عبده؛ لأن ذلك يؤخذ منه على كل حال.
ألا ترى أن المولى إذا أبرأ القاتل كان للغاصب أن يضمن القاتل، ولو أبرأ الغاصب على أنه إن لم يأخذ القيمة من القاتل يرجع على الغاصب، فله أن يعود ويضمنه.
عن ابن سماعة: أنه كتب إلى محمد رحمه الله في رجل غصب من آخر عبدًا، وقتله في يده قاتل خطأ، واختار المولى اتباع الغاصب بنصف قيمة العبد حالًا، واتباع عاقلة القاتل بنصف القيمة مؤجلًا له ذلك.
غاصب الغاصب، ومودع الغاصب يبرأان بالرد على المالك، وكذا يبرأان بالرد على الغاصب؛ إلا رواية عن أبي يوسف، وكذلك إن كان المودع صبيًا محجورًا.
وكذلك إن كان رب الوديعة صبيًا أو عبدًا؛ لأن المسقط للضمان في حق المودع رده إلى من أخذ منه، وذلك متحقق، وإن كان المستودع رده إلى السابق بأمر الغاصب؛ كان للمغصوب منه أن يضمنه؛ لأن في الفصل الأول إنما برئ عن الضمان؛ لأنه رده إلى من أخذه منه فانفسخ حكم فعله، وهاهنا ما رده إلى من أخذه منه إنما رده على غيره، وذلك سبب للضمان، فلهذا افترقا.
في (فتاوى أبي الليث): غصب رجل من رجل مالًا، فغصب ذلك المال غريم للمغصوب منه؛ قال أبو نصر: كان نصر يقول يبرأ الغاصب الأول، وكان محمد بن سلمة يقول: المغصوب منه بالخيار؛ قال الصدر الشهيد رحمه الله: وهو المختار على ما يأتي بيانه في المسألة التي تلي هذه المسألة، فإن ضمن الثاني صار قصاصًا بدينه، وبرئ الأول، وإن ضمن الأول لا يبرأ الثاني.
وفي (فتاوى أهل سمرقند): رجل له على آخر دين، فأخذ من ماله مثل حقه، قال أبو نصر محمد بن سلام: يصير غاصبًا، ويصير ما أخذ قصاصًا بما عليه؛ لأنه أخذ بغير إذنه؛ قال الصدر الشهيد رحمه الله: والمختار أنه لا يصير غاصبًا؛ لأنه أخذ بإذن الشرع؛ لكن يصير مضمونًا عليه؛ لأن طريق قضاء الدين هذا، فلو أخذ ذلك غير صاحب الدين، ودفعه إلى صاحب الدين؛ قال محمد بن سلمة: المغصوب منه بالخيار؛ إن شاء ضمن الآخذ، وإن شاء ضمن صاحب الدين؛ لأن الأول غاصب، والثاني غاصب، أو غير غاصب؛ لكنه مضمون عليه، فإن اختار تضمين الآخذ لم يصر قصاصًا منه بدينه، وإن اختار تضمين صاحب الدين صار قصاصًا بدينه، وقال نصير بن يحيى: لا خيار، ويصير قصاصًا بدينه؛ لأن الآخذ كالمعين لصاحب الدين على أخذ حقه، والله تعالى أعلم.

.الفصل الرابع عشر: في غصب الحر والمدبر، والمكاتب، وأم الولد:

في (المنتقى): ابن سماعة عن محمد في رجل خدع امرأة رجل أو ابنته، وهي صغيرة، وأخرجها من منزل أبيها أو زوجها؛ قال: أحبسه حتى يأتي بها، أو يعلم حالها.
وفيه أيضًا: عن أبي يوسف؛ رجل سرق صبيًا، فسرق من يده، ولم يستبن لهم موته، ولا قتله لم يضمن، ولكنه يحبس حتى يأتي به، أو يعلم حاله.
وفي (القدوري): لو غصب صبيًا من أهله، فمرض، ومات في يده، فلا ضمان عليه؛ لأن الحر ليس بمحل للغصب حتى يجب الضمان بصورة هذا الفعل، ولا يضمن بالموت؛ لأنه أمر مجبور لا صنع لأحد فيه، ولو عقره سبع في يده أو نهشته حية، فمات، فعلى عاقلة الغاصب الدية.
وكذلك لو وقع عليه حائط، أو وقع في بئر كان على عاقلة الغاصب الدية، ولو قتل هذا الصبي رجل خطأ في يد الغاصب، فلأولياء الصبي أن يتبعوا عاقلة أيهما شاؤوا، فإن ضمنوا عاقلة الغاصب رجعوا على عاقلة القاتل، وإن قتل الصبي نفسه فديته على عاقلة الغاصب، ولا يرجعون بها على عاقلة الصبي، وكذلك لو أتى على شيء من نفسه من اليد والرجل، وما أشبه ذلك.
وكذلك لو أركبه دابة، فألقى نفسه منها، وهذا كله قول أبي يوسف، وقال محمد: لا ضمان على الغاصب بجناية الصبي على نفسه، ولو قتل رجل هذا الصبي عمدًا في يد الغاصب، فلأوليائه أن يتبعوا القاتل، فيقتلوه، وعند ذلك يبرأ الغاصب، وإن شاؤوا اتبعوا عاقلة الغاصب بالدية، ورجعت عاقلة الغاصب في مال القاتل عمدًا.
ولو قتل هذا الصبي إنسانًا في يد الغاصب فرده على الولي، وضمن عاقلة الصبي الدية لم يكن لهم أن يرجعوا على الغاصب؛ لأنهم لو رجعوا على الغاصب لرجعوا بحكم الغصب، والحر لا يضمن بالغصب.
ولو غصب مدبرًا، ومات في يده ضمن، ولو غصب أم ولد، وماتت في يده لم يضمن في قول أبي حنيفة، وعندهما يضمن، ولو غصب مكاتبًا، ومات في يده؛ لم يضمن في قول أبي حنيفة، وعندهما يضمن، ولو غصب مكاتبًا، ومات في يده يضمن بلا خلاف؛ كما لو غصب مدبرًا.

.الفصل الخامس عشر في المتفرقات:

وإذا باع الغاصب المغصوب من رجل، وأجاز المالك بيعه صحت الإجازة؛ إذا استجمعت الإجازة شرائطها، وهي قيام البائع، والمشتري والمعقود عليه، وأن تكون الإجازة قبل الخصومة عند أبي حنيفة، ولا يشترط قيام الثمن في ظاهر الرواية إذا كان البيع بالدراهم أو بالدنانير، وإن كان المالك قد خاصم الغاصب في المغصوب، وطلب من القاضي أن يقضى له بالملك، ثم أجاز البيع، فعلى قول أبي حنيفة رضي الله عنه؛ لا تصح إجازته؛ هكذا ذكر شمس الأئمة الحلواني، وشيخ الإسلام خواهر زاده، وذكر شمس الأئمة السرخسي في (شرحه) أن الإجازة صحيحة في ظاهر الرواية، وذكر في (النوادر) أنها لا تصح.
فوجه قول أبي يوسف ومحمد: أن الإجازة لاقت عقدًا موقوفًا، فتصح كما قبل الخصومة بيانه أن الفسخ لم يوجد من المالك نصًا....... الخصومة، والخصومة كما تكون لاستدامة الملك فيما يتخاصم، فيكون... تكون لإثبات الملك لنفسه حتى يجبر العقد فيه، وأبو حنيفة رضي الله عنه يقول: بأن الإجازة صحيحة قبل الخصومة، فتكون الخصومة لاستدامة الملك؛ لا لصحة الإجازة، فتثبت استدامة الملك تنتفي الخصومة، فيكون ذلك فسخًا للعقد كما لو ثبتت استدامة الملك نصًا، فإن كان لا يعلم قيام البيع وقت الإجازة بأن كان قد أبق من يد المشتري؛ ذكر في ظاهر الرواية أن الإجازة صحيحة، وروي عن أبي يوسف: أنها لا تصح، فإن كان الغاصب قد قبض الثمن، وهلك في يده، ثم أجاز المالك البيع؛ هلك الثمن على ملك المغصوب منه اعتبارًا للإجازة في الانتهاء بالإذن في الابتداء.
ذكر شيخ الإسلام في أول صلح (الجامع) إذا قال الرجل لغيره: اسلك هذا الطريق، فإنه آمن فسلك، وأخذه اللصوص؛ لا يضمن، ولو قال: إن كان مخوفًا وأخذ مالك، فأنا ضامن، وباقي المسألة بحالها يضمن.
وصار الأصل في جنس هذه المسائل أن الغرور إنما يثبت حق الرجوع للمغرور على الغار إذا حصل ذلك في ضمن عقد معاوضه، أو ضمن الغار للمغرور صفة السلامة نصًا، وكذلك إذا قال: كل هذا الطعام فإنه طيب، فإذا هو مسموم، فهو على ما قلنا.
نخلة لرجل في ملكه خرج سعفها إلى جاره، فأراد جاره أن يقطع ذلك ليفرغ هواءه كان له ذلك، هكذا ذكره محمد رحمه الله، قال الناطفي في (واقعاته): ظاهر لفظ محمد يفيد ولاية القطع بغير إذن القاضي.
وقيل: هذا على وجهين؛ إن كان يمكن تفريغ الهواء بمد السعف إلى النخلة، والشد عليها ليس له أن يقطع، ولو قطع يضمن، ولكن يطلب من صاحبه أن يمد السعف إلى النخلة، ويشد عليها بحبل، ويلزمه القاضي ذلك، وكذلك إذا أمكنه مد بعض السعف إلى النخلة، والشد عليه؛ ليس له أن يقطع ذلك البعض.
فأما إذا لم يمكن تفريغ الهواء إلا بالقطع، فالأولى أن يستأذن صاحب النخلة حتى يقطع بنفسه، أو يأذن له بالقطع، فإن استأذن وأبى يرفع الأمر إلى القاضي حتى يجبره على القطع، فإن لم يفعل الجار شيئًا من ذلك، ولكن قطع بنفسه ابتداء، فإن قطع من موضع لا يكون القطع من موضع آخر أعلى منه، أو أسفل أنفع للمالك لا يضمن.
هكذا ذكر شيخ الإسلام في شرح كتاب الصلح، وذكر شمس الأئمة الحلواني في شرح كتاب الصلح أيضًا: أنه إذا أراد القطع، فإنما يقطع في ملك نفسه، ولا يكون له أن يدخل بستان جاره حتى يقطعه؛ قال رحمه الله: وقد قال مشايخنا: إنما يكون له أن يقطع من جانب نفسه إذا كان يقطعه من جانب نفسه مثل قطعه من جانب صاحبه في الضرر، أما إذا كان قطعه من جانب صاحبه أقل، فهذا ليس له أن يقطع، ولكن يرفع الأمر إلى القاضي ليأمره بالقطع، فإن لح وإن بعث القاضي نائبًا حتى يقطعه من جانب صاحب النخلة، ثم في الموضع الذي لا يضمن إذا قطعه بنفسه؛ لا يرجع على صاحب النخلة بما أنفق في مؤنة القطع؛ لأنه كان يمكنه أن يرافع الأمر إلى القاضي حتى يأمره بذلك، أو يأمر به صاحب النخيل، فإذا لم يقطع صار متبرعًا.
أخرج شجرة الجوز صغارًا رطبة فأتلف إنسان تلك الجوزات يضمن نقصان الشجرة؛ لأن تلك الجوزات، وإن لم يكن لها قيمة، وليست بمال حتى لا يضمن بالإتلاف لأعلى الشجرة، فإتلافها ينقص قيمة الشجرة، فينظر: أن هذه الشجرة بغير تلك الجوزات بكم تشترى ومع تلك الجوزات بكم تشترى فيضمن فضل ما بينهما.
رجل غصب من آخر ثوبًا، فقطعه قميصًا وخاطه، فاستحقه رجل من يد الغاصب؛ رجع المغصوب منه بقيمة الثوب على الغاصب؛ لأن هذا قضاء ما نملك بسبب حادث من جهة المدعى عليه، فلا يظهر أن الغاصب لم يغصب مال المغصوب منه.
وكذلك لو غصب لحمًا فشواه، فاستحق الشوي، فللمغصوب منه أن يرجع على الغاصب بقيمة المغصوب، وهو اللحم، ولو كان المستحق أقام البينة أن اللحم كان له قبل أن يشويه، أو كان الثوب له قبل أن يخيطه، أو كانت الحنطة له قبل الطحن؛ لم يرجع المغصوب منه على الغاصب بشيء؛ لأن هذا قضاء بالملك من الأصل، فتبين أن الغاصب لم يغصب مال المغصوب منه؛ هذه المسائل مع أجناسها في الباب الثامن من بيوع (الجامع).
حمل على حمار غيره شيئًا بغير أمره، فتورم ظهر الحمار، فشق رب الحمار الورم، فانتقص قيمة الحمار، فإنه يتلوم بالحمار؛ إن اندمل من غير نقصان، فلا ضمان على الذي غصب، وإن اندمل مع النقصان ينظر؛ إن كان النقصان من الورم، فضمان ذلك على الغاصب، وكذا إذا مات كان الجواب كما قلنا، فإن اختلفا، فقال صاحب الحمار الموت كان من الورم، وقال الغاصب: كان من الشق، فالقول قول الغاصب مع يمينه.
في غصب (فتاوى أبي الليث): إذا استهلك رجل أحد مصراعي باب غيره أو أحد زوجي خف غيره، أو ما أشبه ذلك؛ كان للمالك أن يسلم الباقي، ويأخذ قيمتهما منه، في (الجامع) في باب بيع الشيئين المزدوجين كأنهما شيء واحد.
وفي (المنتقى) عن أبي يوسف: رجل استهلك فرو نعل لرجل لم يضمن إلا قيمة ما استهلك، ولا يدفع إليه الأخرى، ويضمنهما جميعًا قال: وكذلك لو أحرق مصراعًا لرجل أو أخذ جصه قال: أرأيت لو كسر حلقة خاتم فيها فص قيمته مائة أكنت أضمن الفص والخاتم؟ لا أضمن إلا ما استهلك؛ قال ثمة: وكسر.... بسرج ضمنه ولم يضمن السرج؛ لأن هذا يخلص منه بلا ضرر، وكل شيئين مفردين أو ثني واحد يخلص بعضه عن بعض، فلا ضرر؛ مثل..... السرج..... فإنه يضمن ما جنى عليه من ذلك؛ لا يضمن غيره.
إذا جاء الرجل بالحنطة إلى الطحان، ووضعها في صحن الطاحونة، وأمر صاحب الطاحونة أن يدخلها بالليل في بيت الطاحونة، فلم يدخلها في بيت الطاحونة بالليل، وسرقت الحنطة، فإن كان صحن الطاحونة محوطًا بحائط مرتفع مقدار ما لا يرتقى إلا بسلم، فلا ضمان، وإن كان بخلافه وجب الضمان؛ لأنه في هذا الوجه مضيع، وفي الوجه الأول ليس بمضيع.
في (فتاوى أبي الليث): هدم بيت نفسه، وانهدم من ذلك بيت جاره فلا ضمان.
في (فتاوى أهل سمرقند): إذا دفع إلى القصار ثوبًا ليقصره فلف القصار في الثوب الخبز وذهب به حيث تقصر الثياب، فسرق الثوب منه، فإن لف الثوب على الخبز كما يلف المنديل على ما جعل منه، وعقده، فهو ضامن؛ لأنه استعمله استعمالًا معتادًا، فصار غاصبًا، وإن جعل الثوب تحت إبطه، ودس فيه الخبز، فلا ضمان في هذا الموضع أيضًا.
وفيه أيضًا: الحمال إذا نزل في مفازة، وتهيأ له الانتقال، فلم يفعل حتى فسد المتاع بمطر أو سرق، فهو ضامن؛ هكذا ذكر، قيل هذا إذا كان المطر في ليلة غالبًا؛ لأنه حينئذٍ يكون مضيعًا وقيل أيضًا: ويشترط مع ذلك أن لا يكون المالك معه، أما إذا كان المالك معه، فلا ضمان.
وفيه أيضًا: إذا دفع حمولة إلى جمال ليحملها إلى بلدة، فجاء الجمال إلى نهر عظيم، وفي النهر جمد كثير يجري كما يكون في الشتاء، فركب الجمال جملًا من الجمال، والجمال الآخر يدخلون الماء على أثر هذا الجمل، وقع جمل من الجمال في الماء من جريان الجمد وسقط الجمل في الماء قال: إن كان الناس يسلكون في مثل هذا، ولا ينكرون هذا، فلا ضمان.
جاء إلى قطار إبل وحل بعضها فلا ضمان؛ لأنه لم يغصب إبلًا. غصب بيضتين فحضن إحدهما تحت دجاجة له، أو حضنت دجاجة أخرى على البيضة الأخرى، فالفرختان له، وعليه بيضتان؛ لأنه استهلك الأولى وهلكت الأخرى في ضمانه، ولو كان مكان الغصب وديعة فالتي حضنت الدجاجة لصاحب البيضة؛ لأن الأمانة هلكت.
في (العيون) في (مجموع النوازل): رجل غصب من آخر بقرة، وغصبها آخر من الغاصب، ثم سرقها المالك من الغاصب الثاني لعجزه عن استردادها منه مجاهرة، ثم إن الغاصب الثاني غلب على المالك، وغصب البقرة منه، فلا خصومة لصاحب البقرة على الغاصب الأول؛ لأن عين ما غصب منه الغاصب الأول قد وصل إليه.
سئل قاضي القضاة شمس الإسلام محمود الأوزجندي عن رجل دفع إلى آخر غلامه مقيدًا بالسلسلة، وقال: اذهب به إلى أبيك، فذهب به بدون السلسلة، فأبق العبد؛ قال: لا ضمان؛ لأنه أمره بشيئين، وقد أتى بأحدهما.
جز غنمًا بغير إذن صاحبها، وجعل صوفها لبودًا، فاللبود له؛ لأنه حصل بصنعه، فبعد ذلك ينظر؛ إن كان جز الصوف لم ينقص من قيمة الغنم شيئًا، فعليه مثل ذلك الصوف، وإن كان نقص منه فهو بالخيار؛ إن شاء ضمنه مثل ذلك الصوف، وإن شاء ضمنه ما دخل النقصان في الغنم.
في (فتاوى أبي الليث): غصب من آخر عبدًا أو جارية، وغاب المغصوب منه فجاء الغاصب إلى القاضي، وطلب منه أن يأخذ المغصوب منه، أو يفرض له النفقة، فحاصل الجواب في هذه المسألة أن القاضي يفعل ما هو الأصلح فيه في حق الغائب، فإن كان الأصلح أن يأخذ منه، فإن كان الغاصب مخوفًا يأخذه، ويبيعه إن رأى المصلحة في البيع، وإن كان الأصلح أن يتركه في يد الغاصب تركه.
حريق وقع في محلة، فهدم إنسان دار رجل بغير إذن صاحبها حتى انقطع الحريق من داره، فهو ضامن إذا لم يفعل بإذن السلطان، ولكن لا إثم عليه في ذلك؛ لأنه هدم ملك الغير بغير إذنه، وبغير إذن من يلي عليه، ولكن تعذر فهو نظير المضطر بتناول طعام الغير بغير إذنه.
في (فتاوى أبي الليث): سفينة حملت عليها حمولات لأقوام، بعض أرباب الحمولات معها، فاستقرت السفينة في جزيرة، فأخرج بعض الحمولات لتخف السفينة، ووضعت في الجزيرة، فضاعت الحمولات، فإن كان لا يخاف الغرق، فالذي أخرج الحمولات ضامن، وإن كان يخاف الغرق، فإن ضاعت الحمولات قبل أن يقع الأمن عن الغرق فلا ضمان، وإن ضاعت بعدما وقع الأمن، فهو ضامن؛ وهذا لأن إخراج بعض الحمولات إذا خيف الغرق على السفينة ليس بجناية، ولكن على الذي أخرج إعادتها إلى السفينة بعدما وقع الأمن عن الغرق، فيصير بترك الإعادة في هذه الحالة جانيًا ضامنًا.
في (فتاوى أهل سمرقند): إذا سقى أرض نفسه، وتعدى إلى أرض جاره، فلا ضمان على الساقي.
وكذلك إذا أحرق الكلأ في أرضه، وذهب النار يمينًا وشمالًا، فأحرق شيئًا لغيره، فلا ضمان على الموقد؛ وهذا جواب (الكتاب).
ومن المشايخ من فرق بين إرسال الماء، وبين إيقاد النار، فقال: من طبع النار الخمود، والتعدي بفعل الريح، ونحوه، فلا يضاف إلى فعل الموقد، ومن طبع الماء السيلان، فأضيف السيلان والإتلاف إلى المرسل، وفي المسألة كلمات تأتي في كتاب الشرب والجنايات.
العبد المغصوب إذا مات في يد الغاصب، وأقر الغاصب أنه كان غصبه من فلان؛ يؤمر بتسليمه القيمة إلى المقر له، فإن جاء رجل، وأقام البينة أنه عبده غصبه منه، فالقاضي يقضي بالقيمة لصاحب البينة، فإذا قضى بالقيمة لصاحب البينة، وأخذها لا شيء للمقر له على الغاصب، فإن وصلت تلك القسمة بعينها إلى الغاصب من جهة المقضي له، أو بالإرث أو بالوصية أو بالمبايعة؛ يؤمر بردها إلى المقر له، ولو وصل إلى الغاصب ألف آخر من المقضي له سوى المأخوذ منه، فإن وصل بالهبة أو بالمبايعة؛ لا يؤمر بالرد على المقر له، وإن وصل بالميراث أو بالوصية يؤمر.
في (الزيادات) في باب الحوالة قبل باب السلسلة: المغصوب إذا اكتسب كسبًا، ثم استرده المالك مع الكسب؛ لا يتصدق بالكسب، والغاصب إذا ضمن القيمة عند الهلاك أو الإباق صار الكسب له؛ يتصرف بالكسب.
في (الزيادات) في آخر باب الكسب: إذا أقر أنه غصب من فلان شيئًا، ولم يبين، فالقول قوله، ولابد من أن يعتبر شيء يمانعه الناس ويقصد بالغصب حتى لو لم يكن كذلك، بأن بين بالتراب ونحوه لا يصدق؛ لأنه لا يسمى غاصبًا، ولو بين بشيء يقصده الناس، ولا قيمة له؛ نحو أن يقر أنه غصب حرًا أو جلد ميتة قبل قوله، وهو اختيار مشايخ عراق، واختيار مشايخ ما وراء النهر؛ لأنه لابد من أن يفسر بشيء له قيمة.
في غصب (القدوري) في أوله ذكر في (أدب القاضي) للخصاف في باب العدوى، عن عثمان رضي الله عنه: إحراق البيت الذي فيه الخمر، ولم يروَ ذلك عن أصحابنا رحمهم الله؛ إنما روي عنهم هدم البيت على صاحب الخمر، فإنهم قالوا: يهدم عليه بيته، كأنهم أخذوا ذلك من هذا الحديث، وأما كسر الدنان، ذكر في (السير الكبير): أنه إن فعل ذلك بإذن الإمام، أو فعل الإمام بنفسه، فلا ضمان، وإن فعل غير الإمام بغير إذن الإمام، فعليه الضمان.
وفي سير (العيون) مسلم شق زق خمر لمسلم، لا يضمن الخمر، ويضمن الزق؛ إلا أن يكون إمامًا يرى ذلك فحينئذٍ لا يضمن؛ لأنه مختلف فيه، وكذلك إذا أظهر بيع الخمر في المصر يمنع منه، فإن أتلف ذلك إنسان يضمن (إلا أن يكون) إمامًا يرى ذلك؛ لأنه مختلف فيه.
في (المنتقى) قال هشام: قلت لمحمد رحمه الله: رجل في يده ثوب فتشبث رجل بالثوب، فجذب صاحب الثوب من يد المتشبث فانخرق الثوب؛ قال: يضمن المتمسك نصف ذلك، قلت: من أين افترق هذا، واليد؟ قال: لأن.... يده أذى والتشبث ليس بأذى، وإن كان الذي جذب هو المتشبت، فهو ضامن جميعه؛ لأنه لم يكن له الجذب.
قال هشام: قلت: جلس رجل إلى جنب رجل، فجلس على ثوبه، وهو لا يعلم، فقام صاحب الثوب، فانشق ثوبه من جلوسه عليه؛ قال: يضمن نصف الشق؛ لأنه لم يكن له أن يجلس على ثوبه، فكان متعديًا في الجلوس، وقد حصل الشق بفعلهما، فيسقط ما كان بفعل المالك، ويجب ما كان بفعل الجالس.
وروى إبراهيم بن رستم عن محمد: في رجل قعد على رداء رجل، وهو لا يعلم، فنهض الرجل، فتخرق الرداء؛ قال: يضمن الذي قعد على الثوب؛ أوجب الضمان مطلقًا غير مقدر بالنصف، وإنه يخالف رواية هشام عنه، وعلى هذا المكعب إذا تخرق من وضع رجل غير صاحبه عليه، وصاحبه لم يعلم به، فعلى قياس رواية هشام يضمن الواضع نصف النقصان على نحو ما بينا في مسألة الثوب.
وفي (نوادر ابن رستم): أن الحائك إذا حاك لرجل، فجاء الطالب ليأخذ الثوب، وأبى الحائك أن يدفع حتى يأخذ الأجر ضمن صاحب الثوب الثوب، فتخرق إن تخرق من يد صاحبه لا يضمن الحائك شيئًا، ولو تخرق من يديهما ضمن الحائك نصف قيمة الخرق؛ يعني نصف قيمة النقصان المتمكن بالخرق.
دفع عينًا إلى دلال ليبيعه، فعرض الدلال على صاحب دكان، وترك عنده، فهرب صاحب الدكان، وذهب بالمتاع؛ يضمن الدلال؛ لأن الدلال أمين، وليس للأمين أن يودع.
وذكر النسفي في (فتاويه) عن شيخ الإسلام أبي الحسن: أنه لا يضمن، وهو الصحيح؛ لأن هذا أمر لابد منه؛ لأن المستام يعرض المتاع على أهله، أو من أحب لينظر في ذلك، ثم يشتري، فكان هذا أمرًا لابد منه، فلا يضمن الدلال لهذا.
وإذا كان في يد الدلال ثوب يبيعه، فظهر أنه مسروق، وقد كان رده إلى من دفع إليه، فطلب منه المسروق منه الثوب، فقال الدلال: رددته إلى من كان دفع إليّ برئ؛ لأن غاصب الغاصب إذا رد المغصوب على الغاصب يبرأ.
في (مجموع النوازل): جارية دفعت جارية أخرى، فذهبت عذرتها، قال محمد بن الحسن: عليها صداق مثلها، بلغنا ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وفيه أيضًا: عن أبي يوسف في رجل قتل ذئبًا، أو أسدًا لرجل؛ قال: لا ضمان عليه، وإن قتل قردًا ضمن قيمته؛ لأن القرد بمنزلة الكلب؛ قال الفقيه أبو الليث: القرد يخدم في البيت ويكنس البيت، فتكون له قيمة الكلاب، بخلاف الذئب والأسد.
سئل نجم الدين عن أهل مسجد من الصبيان مع المعلم أصابهم برد، وعلى الجدار كوة مفتوحة، قال المعلم لواحد من الصبيان: خذ فوطة هذا الصبي، وسد بها الكوة ليرتفع البرد عنا ففعل وضاعت الفوطة، فلا ضمان على المعلم، ولا على الصبي الذي أخذ الفوطة وسد بها الكوة؛ لأن جعلها في الكوة وهم حاضرون لا يكون تضييعًا، فلا يضمنان.
في (الحاوي): سئل أبو القاسم عمن تعلق ثوبه بقفل قفله رجل وتخرق، قال: إن مده صاحب الثوب حتى تخرق لم يضمن صاحب القفل، وإن تخرق من غير المد إن فعل المالك في موضع مأذون له لا يضمن وإلا فيضمن.
في (المنتقى): ابن سماعة عن محمد في رجل غصب عبدًا، وضمن رجل للمغصوب منه العبد أن يدفعه إليه غدًا فإن لم يفعل، فعليه ألف درهم، وقيمة العبد خمسون درهمًا، فلم يدفع إليه العبد غدًا؛ قال: إذا ثبت العبد للمغصوب منه لزم الضامن قيمة خمسين درهمًا، وبطل الفضل، فإن اختلفا في قيمته، فالقول قول المغصوب منه مع يمينه فيما بينه وبين ألف درهم، والقول قول الكفيل فيما زاد، في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف رضي الله عنهما.
وأما في قولنا، فالقول قول الغاصب في القيمة وضمان الألف باطل؛ لأنه لم ينسبها إلى قيمة العبد، فإن ضمن القيمة وسماها، فينظر في ذلك، فإذا هي أكثر من قيمة العبد بما يتغابن الناس فيه؛ فتلك قيمة العبد قبل منه ذلك، وإن كانت أكثر من قيمة العبد بما لا يتغابن الناس فيه؛ بطل الفضل على ما يتغابن الناس فيه.
دابة لرجل دخلت زرع إنسان، فأخرجها صاحب الزرع، فجاء ذئب وأكلها؛ إن أخرجها ولم يسقها بعد ذلك، فلا ضمان، عليه أكثر المشايخ، وعليه الفتوى، وإن ساقها أكثر مشايخنا على أنه يضمن؛ سواء ساقها إلى مكان يأمن عليها من زرعه، أو أكثر من ذلك، وعليه الفتوى.
وكذلك الراعي إذا وجد في بادوكه بقرة لغيره، فطردها قدر ما تخرج من بين بادوكه لا يضمن، وإن ساقها بعد ذلك يضمن، فأما إذا وجد في زرعه، فأخبر صاحبها، وأخرجها صاحبها، فأفسدت الدابة الزرع؛ إن أمره صاحب الزرع بالإخراج؛ لا يضمن صاحب الدابة، وإن لم يأمره يضمن هذه الجملة في الباب الأول من غصب (الواقعات).
رجل أرسل دابة وكان سائقًا لها، فأصابت شيئًا ضمن السائق، ولو أرسلها إلى جهة، ولم يكن سائقًا لها، فأصابت في وجهها ذلك؛ ضمن صاحبها بخلاف ما إذا أرسل كلبًا أو بازيًا على صيد، فأتلف شيئًا في حرزه ذلك حيث لا يضمن صاحبها إذا لم يكن سائقًا للكلب إلى الصيد وإرسال الكلب إلى الصيد يخالف إرساله إلى إنسان، فإن من أرسل كلبه إلى إنسان، فأصابه؛ ضمن المرسل، وإن لم يكن سائقًا للكلب؛ قال: فلو أن الدابة لم تذهب إلى وجهها؛ بل انعطفت يمينًا وشمالًا، وأصابت شيئًا فلا ضمان على صاحبها إذا كان لها طريق في وجهها ذلك، وإن لم يكن لها طريق في وجهها ذلك، وإنما الطريق له يمين، وشمال لا غير، فانعطف وأصابت شيئًا (فيضمن) صاحبها، وإن وقفت ثم سارت فما أصابت بعد ذلك، فلا ضمان على صاحبها؛ لأن حكم إرساله قد انقطع لما وقف ساعة.
بخلاف الكلب إذا أرسل على صيد، فوقف ساعة، فإن الإرسال لا ينقطع حتى لو أخذ الصيد بعد ذلك رجل، وكذلك إذا أرسل حماره، فدخل زرع إنسان، فأفسده إن ساقها إلى الزرع ضمن، وإن لم يسق بأن لم يكن خلفه إن لم ينعطف عليه يمينًا وشمالًا؛ بل ذهب إلى الوجه الذي أرسلها صاحبها، فأصابت الزرع؛ ضمن صاحبها، وإن انعطفت يمينًا وشمالًا، فهو على التفصيل الذي قلنا؛ هذه الجملة في شرح ديات شيخ الإسلام؛ في باب جناية الراكب.
وإن وجد الرجل دابة في مربط، فأخرجها، ولم يسقها بعد الإخراج، فأكلها الذئب؛ ضمن قيمتها.
فرق بين هذا، وبينما إذا وجدها في كرمه أو زرعه فأخرجها، ولم يسقها بعد الإخراج، فأكلها الذئب حيث لا يضمن قيمتها، والفرق أن الدابة لا تفسد المربط، فكان في إخراجها عن المربط مضيعًا للدابة لا دافعًا شرها عن نفسه، أما الدابة تفسد الزرع والكرم، فكان الإخراج في هذين الوجهين لدفع ضرر الدابة لا تضييعًا لها، وإن وجد دابة في كرمه أو زرعه فحبسها في منزله فهلكت؛ ضمن قيمتها لصاحبها؛ لأنه ليس له ولاية الحبس، فيصير بالحبس غاصبًا مضمونًا.
ذكر في (السير الكبير) على سبيل الاستشهاد أن من أخذ جلود دابة لرجل، فدبغها، وفعلها فروًا؛ ينقطع حق المالك عن الجلود، وكان الفرو للعامل وغرم قيمة الجلود لما ملكها. ولو أخذ جلود ميتة وجعلها فروًا؛ ثم دبغها لا ينقطع حق المالك عن العين، ويقوّم الفرو جلدًا غير معمول، ويقوم معمولًا، فإن شاء العامل إعطاء قيمة جلده ذكيًا غير معمول، وإن شاء باع الفرو فقسم ثمنه على قيمة الجلد ذكيًا غير معمول، وعلى قيمته فروًا معمولًا فما أصاب الجلد كان لصاحبه، وما أصاب العمل كان لصاحب العمل.
والفرق بين الجلود الذكية وبين الميتة: أن الصنعة في الذكاة إنما جعلت في جلد يضمن بالغصب والاستهلاك، فأوجبت انقطاع حق صاحب العين عن العين، وفي جلد الميتة الصنعة جعلت في جلد لا يضمن بالغصب، والاستهلاك، فلم يوجب انقطاع حق صاحب العين عن العين.
وهذا هو الأصل: أن الصنعة إنما تجعل المصنوع ملكًا للصانع إذا كان المصنوع قبل الصنعة مما يضمن بالغصب والاستهلاك؛ أما إذا كان مما لا يضمن بالغصب والاستهلاك قبل الصنعة، فبالصنعة لا يصير مملوكًا للصانع.
وأصل هذا ما ذكر محمد رحمه الله في (السير الكبير): لو أن رجلًا من أهل الجند وجد في دار الحرب من الخشب المليح، فعمل منه قصاعًا، وأخونة، ثم أخرجها إلى دار الإسلام، فإن للإمام أن يأخذ ذلك منه، ويعطيه قيمة ما زاد الصنعة فيه، وإن شاء باعه، وقسم الخشب على قيمة هذا الخشب غير معمول، وعلى قيمته معمولًا فما أصاب غير المعمول من ذلك، فإنه يرده في القسمة، وما أصاب المعمول حين ذلك، فإنه يرد، ولا يصير المصنوع ملكًا للعامل ولو أخرجت الغنائم إلى دار الإسلام، فأخذ رجل من هذا الخشب المليح، وجعله قصاعًا، وغير ذلك مما وصفنا لك فإنه يضمن قيمة الخشب، وكان المصنوع للذي عمل، لا سبيل للإمام عليه؛ لأن في الفصل الأول الصنعة إنما وجدت في خشب لا يضمن بالغصب والاستهلاك؛ لأن الغنائم لا تضمن بالغصب والاستهلاك في دار الحرب، فلم يوجد انقطاع حق الغزاة عن العين، وفي الوجه الثاني: الصنعة إنما وجدت في خشب يضمن بالغصب والاستهلاك.
إذا ثبت هذا جئنا إلى تخريج مسألة الفرو، فنقول: إنما الخيار للعامل في جلد الميتة؛ لا لصاحب الجلد، وإن كان صاحب العمل صاحب تبع وصاحب الجلد صاحب أصل، والخيار ثبت في مثل هذا لصاحب الأصل كما في الثوب االمصبوغ؛ لا لصاحب التبع؛ فذلك لأن صاحب العمل..... كان صاحب تبع هاهنا من حيث الحقيقة، فإن الصنعة صارت صفة للجلد، والأوصاف أتباع فمن حيث المعنى صاحب العمل أصل؛ لأن جلد الميتة لم يكن مالًا قبل الصنعة، والدباغة والمالية هي المقصودة من الأعيان لا نفس العين، وإنما صار مالًا بعمله، فصار من حيث المعنى صاحب العمل صاحب أصل، وصاحب الجلد من حيث المعنى صاحب تبع.
والعبرة للمعنى، وإنما اعتبر قيمة الجلد ذكيًا؛ لأنه متى اعتبره ميتًا، وجلد الميتة لا قيمة له؛ لا يستحق صاحب الجلد شيئًا، فلهذا اعتبرت قيمته ذكيًا.
قال محمد رحمه الله في كتاب (الأصل): إذا غصب الرجل ثوبًا من غيره ولبسه، ثم جاء صاحب الثوب ومدّ الثوب والغاصب لم يعلم بذلك، ولم يطلب صاحب الثوب الثوب منه فتخرق الثوب من ذلك، فلا شيء على الغاصب، وكان ينبغي أن يقال: بأنه يضمن الغاصب للمغصوب منه نصف قيمة الخرق؛ لأن الخرق حصل بيد صاحب الثوب، وإمساك الغاصب جميعًا، فإنه لولا إمساك الغاصب بعد مد المغصوب منه كان لا يخرق الثوب من يده، وإذا حصل الخرق من فعلهما يجب أن يكون على الغاصب نصف الضمان، كما لو خرقاه جميعًا، وكما لو طلب صاحب الثوب الثوب من الغاصب، فمنعه فمده المغصوب منه الثوب مثله فتخرق الثوب؛ ذكر أن الغاصب يضمن نصف قيمة ما تخرق؛ لأن الخرق حصل بفعلهما والجواب أن الإمساك من الغاصب إن وجد حقيقة بلبس الثوب لم يوجد معنى؛ لأن الغاصب بلبس الثوب قصد ستر نفسه في إمساكه عن المالك، فلم يوجد الإمساك من الغاصب معنى، فبقي التلف كله مضافًا إلى مد المالك؛ بخلاف ما إذا طلب منه المالك وأمسكه؛ لأن هناك وجد الإمساك من الغاصب حقيقة ومعنى.
ولو طلب المغصوب منه الثوب من الغاصب، فمنعه الغاصب عنه، ثم إن المغصوب منه مده مدًا شديدًا؛ لا يمد مثله، فتخرق الثوب؛ لا ضمان على الغاصب؛ علل فقال: لأنها بمنزلة سكين جاء به وخرقه، فقد أضاف الخرق كله إلى فعل المالك، وهذا مشكل؛ لأنه لولا إمساك الغاصب الثوب لكان لا ينخرق بمد المالك، فكان الخرق مضافًا إلى فعلهما.
ألا ترى أنه لو مد مد مثله كان الخرق مضافًا إليهما حتى كان على الغاصب نصف الخرق، فهاهنا يجب أن يكون كذلك.
والجواب أن الإمساك قد يتحقق من الغاصب، ولا يكون سبب خرقه، فإن كان قبل المد، ويكون سبب خرقه بأن كان في حال المد، فكان الإمساك في نفسه سبب الخرق من وجه دون وجه، فاعتبر سبب الخرق إذا كان مد المالك مدًا يمد مثله، وأضيف الخرق إلى المد، والإمساك جميعًا، ولم يعتبر سبب الخرق إذا كان مدًا لا يمد مثله، وأضيف الخرق إلى المد وحده بخلاف المد حيث يضاف الخرق إليه؛ لأن المد سبب الخرق على كل حال، وقيل: الإمساك إنما لا يحصل الخرق؛ لأن المد لا يؤخذ؛ لأن بدون الإمساك يكون أخذًا، ولا يكون مدًا، وإذا كان المد متى تحقق بسبب خرق على كل حال، والإمساك سبب الخرق في حال دون حال أضيف الخرق إلى المد على كل حال دون حال، وأضيف الخرق إلى الإمساك في حال دون حال.
ونظير هذا الممسك: الثوب إذا كان (على) صاحب الثوب جاء آخر ومد الثوب مدًا (يمد) مثله أو مدًا لا يمد مثله ليبديه كان الضمان على الماد، وأضيف الخرق كله إلى المد دون الإمساك، وطريقه ما قلنا.
ذكر شيخ الإسلام في شرح (السير) في باب قصور الغنائم؛ قال مشايخنا: الغاصب إذا ندم على ما صنع، ولم يظفر بالمغصوب منه يمسك المغصوب إلى أن ينقطع مجيء صاحبه، فإذا انقطع طمعه في مجيء صاحبه، يتصدق إن شاء بشرط أن يضمن متى لم يجز صاحبه صدقته؛ قال: والأحسن أن يرفع ذلك إلى الإمام؛ لأن الإمام لتدبيره رأي في أموال الغيب، فالأحسن أن لا يقطع عليه رأيه.
قال محمد رحمه الله في (الجامع الصغير): رجل غصب عبدًا أو أجر العبد نفسه، وسلم من العمل صحت الإجارة على ما عرف، فإن أخذ العبد الأجر، وأخذ الغاصب الأجر منه وأتلفه لا ضمان عليه عند أبي حنيفة رضي الله، وقالا: يجب عليه الضمان، وإن كان الأجر قائمًا كان للمالك أخذه بالإجماع، هما يقولان: إنه أتلف مال الغير وهو مولى العبد؛ لأنه كسب عبده، وكسب العبد تبع لرقبته فيكون لمالك الرقبة؛ ولأبي حنيفة رحمه الله: أن الكسب مال المالك؛ لكنه لا عصمة لها في حق الغاصب بعد الغصب، فأشبه صاحب السرقة بعد القطع، وبيان عدم العصمة أن العصمة ثبتت بيد حافظة؛ إما بنفسه أو بيد ثانية، ويد المالك لم تثبت على هذا المال، ويد الغاصب ليس يد المالك.
فإن قيل: يد العبد يد المولى، والكسب في يد العبد، فيصير كأنه في يد المولى؛ قلنا: العبد في يد الغاصب حتى كان مضمونًا عليه، وإذا كان العبد في يد الغاصب لم يكن العبد محرزًا وحافظًا نفسه عن الغاصب، فلا يكون محرزًا وحافظًا ما في يده أيضًا.
والجواب أن الإمساك قد يتحقق من الغاصب، ولا يكون سبب خرقه، فإن كان قبل المد، ويكون سبب خرقه بأن كان في حال المد، فكان الإمساك في نفسه سبب الخرق من وجه دون وجه، فاعتبر سبب الخرق إذا كان مد المالك مدًا يمد مثله، وأضيف الخرق إلى المد، والإمساك جميعًا، ولم يعتبر سبب الخرق إذا كان مدًا لا يمد مثله، وأضيف الخرق إلى المد وحده بخلاف المد حيث يضاف الخرق إليه؛ لأن المد سبب الخرق على كل حال، وقيل: الإمساك إنما لا يحصل الخرق؛ لأن المد لا يؤخذ؛ لأن بدون الإمساك يكون أخذًا، ولا يكون مدًا، وإذا كان المد متى تحقق بسبب خرق على كل حال، والإمساك سبب الخرق في حال دون حال أضيف الخرق إلى المد على كل حال دون حال، وأضيف الخرق إلى الإمساك في حال دون حال.
ونظير هذا الممسك: الثوب إذا كان (على) صاحب الثوب جاء آخر ومد الثوب مدًا (يمد) مثله أو مدًا لا يمد مثله ليبديه كان الضمان على الماد، وأضيف الخرق كله إلى المد دون الإمساك، وطريقه ما قلنا.
ذكر شيخ الإسلام في شرح (السير) في باب قصور الغنائم؛ قال مشايخنا: الغاصب إذا ندم على ما صنع، ولم يظفر بالمغصوب منه يمسك المغصوب إلى أن ينقطع مجيء صاحبه، فإذا انقطع طمعه في مجيء صاحبه، يتصدق إن شاء بشرط أن يضمن متى لم يجز صاحبه صدقته؛ قال: والأحسن أن يرفع ذلك إلى الإمام؛ لأن الإمام لتدبيره رأي في أموال الغيب، فالأحسن أن لا يقطع عليه رأيه.
قال محمد رحمه الله في (الجامع الصغير): رجل غصب عبدًا أو أجر العبد نفسه، وسلم من العمل صحت الإجارة على ما عرف، فإن أخذ العبد الأجر، وأخذ الغاصب الأجر منه وأتلفه لا ضمان عليه عند أبي حنيفة رضي الله، وقالا: يجب عليه الضمان، وإن كان الأجر قائمًا كان للمالك أخذه بالإجماع، هما يقولان: إنه أتلف مال الغير وهو مولى العبد؛ لأنه كسب عبده، وكسب العبد تبع لرقبته فيكون لمالك الرقبة؛ ولأبي حنيفة رحمه الله: أن الكسب مال المالك؛ لكنه لا عصمة لها في حق الغاصب بعد الغصب، فأشبه صاحب السرقة بعد القطع، وبيان عدم العصمة أن العصمة ثبتت بيد حافظة؛ إما بنفسه أو بيد ثانية، ويد المالك لم تثبت على هذا المال، ويد الغاصب ليس يد المالك.
فإن قيل: يد العبد يد المولى، والكسب في يد العبد، فيصير كأنه في يد المولى؛ قلنا: العبد في يد الغاصب حتى كان مضمونًا عليه، وإذا كان العبد في يد الغاصب لم يكن العبد محرزًا وحافظًا نفسه عن الغاصب، فلا يكون محرزًا وحافظًا ما في يده أيضًا.
وكذلك قلنا: إن كسب المبيع قبل القبض غير مضمون على البائع بالاتفاق، فكذلك هذا، أو نقول هذا مال الغاصب فيه تأويل الملك، ولا يكون مضمونًا عليه، بالإتلاف كمال الابن في حق الأب.
بيانه: أن العبد إذا هلك في يد الغاصب وضمن رقبته للمالك فالأحر يسلم للغاصب أو نقول الأجر بدل منفعة العبد، ولو استهلك الغاصب منفعة العبد بأن استعمله في محل من الأعمال لا يضمن، فكذا إذا استهلك بدلها.
قال في (الجامع الكبير): رجل غصب من آخر جارية قيمتها ألف درهم غصب من الغاصب رجل وقيمتها يوم الغصب الثاني أيضًا ألف درهم، فأبقت من الغاصب فللأول أن يضمن الثاني قيمتها، وإن لم يضمن المالك الأول؛ لأن القيمة قائمة مقام العين، ولو كانت الجارية حاضرة، وكان للغاصب الأول أن يسترد الجارية للتمكن من إقامة الفعل الواجب عليه، وهو الرد، فكذلك ما يقوم مقام العين، وهو القيمة.
ألا ترى قوله عليه السلام: «ما أخذت حتى ترد»، والغاصب الثاني إنما أخذها من الغاصب الأول، فوجب عليه الرد على الغاصب الأول، فإذا عجز عن رد العين، وجب رد القيمة التي هي قائمة مقام العين، فإذا أخذ الغاصب الأول القيمة برئ الثاني عن الضمان؛ لأن الثاني برد الجارية على الأول برئ من الضمان، فكذا إذا رد القيمة، تكون القيمة قائمة مقام العين، وتكون القيمة المأخوذة من الثاني مضمونة على الغاصب الأول؛ حتى لو هلكت في يد الغاصب الأول كان للمغصوب منه أن يضمنه قيمتها بالغصب؛ لأن الغاصب الأول لو أخذ الجارية لم تكن أمانة في يده، فكذلك إذا أخذ القيمة، فإذا حضر المالك كان له الخيار؛ إن شاء أخذ من الغاصب الأول القيمة التي أخذها من الغاصب الثاني، وتصير الجارية مملوكة للغاصب الثاني، وإن شاء ضمن الأول قيمتها ابتداء بالغصب، وتصير الجارية مملوكة للغاصب الأول من جهة المالك، ثم تصير للغاصب الثاني من جعة الغاصب الأول.
وإن كانت قيمة الجارية يوم الغصب الأول ألف درهم، ويوم الغصب الثاني ألفي درهم، ثم انفقت من يد الثاني، وأخذ الأول من الثاني ألفي درهم، وهلكت في يد الأول؛ لم يكن للمالك أن يضمن الأول ألفي درهم؛ لأن أخذ الألفين قيمة الزيادة المتصلة؛ الحادثة في يد الغاصب، وإنها أمانة عندنا في يد الغاصب، فكذلك ما قام مقامها.
ألا ترى أن الجارية إن كانت حاضرة فاستردها؛ كان الفضل على الألف أمانة عنده، فكذلك إذا أخذ الألف القيمة، فلهذا لا يضمن الفضل، وإنما يضمن قيمتها يوم الغصب ألف درهم، ولو أن المولى حضر والقيمة في يد الغاصب الأول قائمة على حالها، وقد ظهرت الجارية، فالمالك بالخيار؛ إن شاء أخذ جاريته حيث ما وجدت، وإن شاء أخذ القيمة التي أخذها الغاصب الأول من الثاني، وإن شاء ضمن الغاصب الأول قيمتها يوم الغصب، وهذا مشكل من وجهين:
أحدهما: أنه جعل للغاصب الأول سبيلًا من تضمين الثاني، ولم يجعله سبيلًا من تمليك الجارية حتى قال: إن للمولى ولاية أخذ الجارية متى ظهرت، وإن كان الملك ثبت في المضمون ضرورة الاستيفاء.
والثاني: هو أنه جعل للمولى حق تضمين الغاصب الأول بعد ظهور الجارية، والصورة على الأصل تمنع المصير إلى الخلف.
والجواب عن الإشكال الأول أن نقول بأن الغاصب الأول ليس بنائب عن المالك في التضمين حتى يصير نائبًا عنه في تمليك الجارية من الثاني، وكيف يكون نائبًا عنه، وإنه فوت عليه اليد كلًا إنما كان للأول تضمين الثاني ليتمكن من إقامة ما عليه من الرد، والاستيفاء من ضرورات الرد؛ أما التمليك ليس من ضروراته كما في المدبر؛ إلا أن عند عدم الوقوف لمكان الجارية الحالة حالة الاستيفاء لا غير، وهو السبيل من ذلك أما بعدما ظهرت الجارية الحالة حالة الاستيفاء، وحال تملك الجارية، وهو منقول من الاستيفاء؛ أما ما ليس بسبيل من تملك الجارية، فكان بمنزلة الفضولي فتوقف على إجازة المالك، فإن أجاز أخذ القيمة، وإن رد كان حقه في استرداد الجارية؛ عرف مكانها لا أنها وصلت إلى مكانها.
قلنا: والمعرفة بمكان الجارية لا تمنع المصير إلى القيمة، فإن اختار المولى أخذ الجارية رجع الغاصب الثاني على الغاصب الأول بالقيمة التي أخذها؛ لأن المعوض استحق من يده، فإن كانت القيمة هلكت في يد الأول ضمن الغاصب الأول ذلك للغاصب الثاني؛ لأن للأول أخذ القيمة بدلًا عن المعوض، فيكون مضمونًا عليه؛ كالثمن على البائع، ولا يرجع الغاصب الأول بذلك على المغصوب منه؛ لأن الغاصب الأول ليس بوكيل عن المالك أصلًا، والرجوع بالعهدة حكم الوكالة، وإن كان أخذ المولى من الغاصب الأول القيمة التي أخذها من الغاصب الثاني؛ سلمت الجارية للغاصب الثاني لنفاذ التمليك على المالك، وإن ضمن المولى الغاصب الأول قيمة الجارية يوم الغصب الأول سلمت القيمة التي أخذها الغاصب الأول له؛ لأنه تيقن أنه ملكها من وقت الغصب الأول، وإن الثاني غصب ملك الغاصب الأول، فكان الضمان الأول؛ إلا أن الأول يتصدق بأحد الألفين وهو الفضل على القيمة التي أداها إلى المالك، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد؛ أما على قول أبي يوسف؛ لا يتصدق بشيء؛ بل يطيب له؛ لأن شرط الطيب عندهما الملك والضمان، والضمان هاهنا، وإن كان واجبًا وقت المبادلة فالملك لم يكن، وعند أبي يوسف شرط طلب الضمان لا غير، وقد وجد ذلك هاهنا، وأصل المسألة: المودع إذا باع الوديعة، وربح ثم ضمن؛ هل يطيب له الربح؟ فهو على هذا الاختلاف.
قال: وليس للغاصب الثاني أن يطأ الجارية حتى يختار المولى أخذ القيمة التي أخذها الغاصب الأول، ويختار ضمان الغصب الأول؛ لأن الملك قبل ذلك موقوف، والحل لا يثبت بالملك الموقوف، فإن كانت الجارية حاضت حيضة بعدما أخذ الأول القيمة من الثاني قبل أن يختار المولى شيئًا من ذلك، ثم اختار شيئًا من ذلك، لا يجزئ بتلك الحيضة؛ لأن الملك موقوف، والحيضة إذا وجدت بعد ثبوت الملك قبل وجود اليد لا تجزئ بها عن الاستبراء، فإذا حصلت قبل ثبوت الملك؛ لأن لا يجزئ بها كان أولى.
ولو كان الغاصب الأول أقر بقبض القيمة من الغاصب الثاني، فهذا وما لو ثبت أخذ القيمة بإقامة البينة سواء، غير أن بينهما فرقًا من وجه أن في هذه الصورة كان للمولى أن يضمن الثاني، وفيما إذا ثبت ذلك بالبينة ليس للمولى تضمين الثاني.
والفرق: أن حق تضمين الثاني قد ثبت للمالك لكونه غاصب الغاصب؛ إلا أن تضمين الأول الثاني يبطل هذا الحق للمالك، وذلك هاهنا إنما ثبت بإقرار الأول، والإقرار حجة قاصرة، فلم يظهر أخذ الأول القيمة من الثاني في حق بطلان حق المالك في تضمين الثاني بخلاف الأول؛ لأن هناك أخذ القيمة ثبت بأمر حجة عامة؛ أما هاهنا بخلافه وكان المعنى فيه، وهو أن الغاصب الأول إنما ملك الاستيفاء ليتمكن من إقامة ما عليه من فعل الرد وصفة الضرورة تندفع بحقيقة الاستيفاء، فلا ضرورة إلى اعتبار الإقرار بالاستيفاء.
وكذلك الجواب فيما إذا قضى القاضي بالقيمة، ثم أقر الغاصب بقبض القيمة، وكذلك لو أقر الأول بقبض الجارية من الثاني، وأقر أنها ماتت عنده لم يقبل قوله حتى كان للمالك أن يضمن الغاصب الثاني في هذه الوجوه كلها لما ذكرنا، ويرجع الغاصب الثاني على الغاصب الأول بالقيمة؛ لأن إقراره بالاستيفاء صحيح في حقه إن لم يصح في حق المالك.
قال محمد رحمه الله في (الجامع) أيضًا: رجل غصب من آخر عبدًا، ثم استأجره من المغصوب منه صح؛ لأنه لو اشتراه من المغصوب منه صح، فالإجارة أولى، ويصير المستأجر قابضًا له بحكم الإجارة بنفس العقد؛ لأن يد الغاصب يد ضمان بقيمة المضمون، ومثل هذا القبض ينوب عن قبض الشراء؛ فأولى أن يقع عن قبض الإجارة، ويبرأ الغاصب من الضمان؛ لأن يد الغاصب بدلت بيد الإجارة، ويد الإجارة يد أمانة، وضمان الغصب مما يحتمل البطلان.
ألا ترى أن المغصوب منه لو أبرأ الغاصب عن الضمان يبرأ، فكذلك إذا أبدلت يد الغصب بيد الأمانة، فإن مات العبد في يد الإجارة مات أمانة لما مر، ويجب على الغاصب الأجر بقدر ما مضى من مدة الإجارة، ويسقط الباقي؛ لأن فيما مضى وجه تسليم المنافع إلى المستأجر بحكم إجارة صحيحة، فإن مضت مدة الإجارة والعبد حي لم يعد مضمونًا؛ لأن يد الغصب بدلت بيد الأمانة، فلا يعود إلا بغصب جديد.
وهو الفقه: وهو أن الغصب تفويت يد المالك على وجه التعدي، وبالإجارة فات معنى التعدي، وبمضي مدة الإجارة لا يعود معنى التعدي؛ فلا يعود حكم الغصب.
ولو أن المغصوب منه أعار العبد من الغاصب صح؛ لأنه إذا آجره منه يصح، فإذا أعاره منه أولى أن يصح، ولا يصير قابضًا له بحكم العارية بنفس العارية بخلاف الإجارة، والفرق: وهو أن الإجارة أوجبت استحقاق المنافع للمستأجر، فيوجب استحقاق اليد تسليمًا للمستحق، ويد الغاصب تصلح نائبة عن يد الإجارة، فقامت مقام يد الإجارة أيضًا للماهية المستأجرة، فأما العارية فلا توجب استحقاق المنافع لما عرف، فلا توجب استحقاق اليد، فلم يجب إيفاؤها، فلا تقوم يد الغاصب مقام يد العارية، فلهذا لا يصير قابضًا بنفس العارية، فإذا انتفع به الآن ثبتت يد العارية، وهي يد أمانة، فبطل بها يد الغاصب، فإذا فرغ من العاريةلم يعد غصبًا بخلاف الرهن.
والفرق: وهو أن بيد العارية إنما بطلت يد الرهن، وبطل الضمان أيضًا لكون الضمان متعلقًا بحقيقة اليد؛ أما عقد الرهن فهو باق لبقاء حكمه، وهو تمليك اليد والحبس، فإذا بطلت يد العارية عادت يد الرهن، فعاد الضمان المتعلق به، فأما ضمان الغصب يتعلق بقاؤه ببقاء اليد المتعدية، وقد بطل ذلك بيد العارية، فلا يعود، وبالفراغ من العمل، فلا يعود الضمان المتعلق به، ولوأمر المالك الغاصب أن يتبع المغصوب صح، ويصير وكيلًا، ولا يخرج العبد عن ضمانه؛ لأن كونه غاصبًا ضامنًا لا ينفي كونه وكيلًا.
ألا ترى أن الوكيل بالبيع إذا استعمل المبيع حتى صار ضامنًا بقي وكيلًا؛ كذا هنا؛ كان المعنى فيه، وهو أن الأمر يقتضي الائتمار، والائتمار لا يقتضي قيام يد الوكيل، فلا يقتضي أيضًا قيام وصفه، وهو كونه يد أمانة، فإن باعه هلك قبل التسليم، انتقض البيع ولزمته قيمة العبد المغصوب؛ لأن الغصب لا يبطل بمجرد البيع.
فإن قيل البيع بالمبيع صار مضمونًا بالثمن في يد الوكيل، وهذا ينفي كونه مضمونًا بضمان القيمة؛ لأن ضمان القيمة مع ضمان الثمن لا يجتمعان في عين واحد؛ قلنا تفسير كونه مضمونًا بالثمن ليس إلا كونه بحال لو هلك قبل القبض يسقط الثمن عن المشتري، وهذا لا ينفي ضمان القيمة على الغاصب، فإن رده المشتري بالعيب إن كان قبل القبض فهو في ضمان الغصب على حاله؛ لأن الغاصب لا يبطل بمجرد البيع، فلا يبطل الضمان المتعلق به، وإن كان الرد بعد القبض لا يعود مضمونًا؛ لأن التسليم حصل بأمر المالك؛ لأن الأمر بالبيع أمر بالتسليم، والتسليم إلى المشتري بأمر المالك بمنزلة التسليم من المالك، ولو سلم المالك إلى المشتري برئ الغاصب من الضمان، فكذا إذا سلم الغاصب بأمر المالك، وضمان الغصب متى بطل لا يعود إلا بغصب جديد.
قال محمد رحمه الله في (الجامع): رجل غصب من رجل جارية، وغصب آخر من رب الجارية عبدًا، وتبايعا العبد بالجارية وتقابضا، ثم بلغ المالك فأجازه كان باطلًا؛ لأن الإجازة إنما تلحق العقد الموقوف دون الباطل، وهذا العقد وقع باطلًا؛ لأن البيع تمليك بتملك، وتملك بتمليك، وذلك لا يكون في بيع مال الرجل بماله.
يوضحه: أن الإجازة في الانتهاء بمنزلة الإذن في الابتداء، ولو أذن المالك لهما في الابتداء بذلك لا ينعقد فكذا إذا فعلها بغير إذن المالك لا يتوقف.
ولو كان مالكهما رجلين فبلغهما فأجازا، كان جائزًا، وصارت الجارية لصاحب الغلام، وعلى غاصب الغلام قيمة الغلام لمولاه، ويصير الغلام لصاحب الجارية، وعلى غاصب الجارية قيمة الجارية لمولاها؛ لأن الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء، ولو أذن كل واحد من المالكين في الابتداء بأن قال صاحب الغلام للذي غصبه: اشتر جارية فلان بغلامي هذا، وقال صاحب الجارية لغاصبها: اشتر غلام فلان بجاريتي هذه؛ كان الجواب كذلك؛ وهذا لأن كل واحد منهما صار مشتريًا ما في يد صاحبه بما في يده بإبقاء ما في يد صاحبه بما في يده، ولا يتوقف في الشراء؛ لأن شراء الفضولي لا يتوقف على الإجازة؛ بل يتوقف على المشتري إنما التوقف في البيع، ولما كان هكذا صار شراء كل واحد منهما واقعًا لنفسه؛ كأن كل واحد منهما قال لغاصبه: اشترِ لنفسك مملوك فلان بمملوكي، وإنما احتيج إلى الإجازة لنفاذ البيع، فانعقد تصرف كل واحد منهما على أن يد الملك للمشتري في المشترى، ولكن عند إجازة المالك وصار كل واحد منهما مستقرضًا ما غصب حتى يكون البدل على من ثبت له الملك في المبدل.
واستقراض الحيوان، وإن كان لا يجوز إلا أنه إنما لا يجوز إذا حصل قصدًا، وهاهنا حصل في ضمن الشراء، وإنه تصرف مشروع قطعًا فصار هو مشروعًا بشرعيته أيضًا، ولما صار كل واحد منهما مستقرضًا ما غصب والمستقرض فيما ليس من ذوات الأمثال مضمون بالقيمة ووجب على كل واحد من الغاصبين قيمة ما غصب؛ لهذا.
قال فيه أيضًا: رجل غصب من آخر مائة دينار، وغصب آخر من ذلك الرجل ألف درهم، ثم تبايع الغاصب الدنانير بالدراهم، وتقابضا، ثم تفرقا، ثم حضر المالك فأجازه جاز.
فرق بين هذا، وبين الوجه الأول، والفرق: وهو أن هاهنا العقد ما وقع على الدراهم، والدنانير بأعيانهما لما عرف من أصلنا: أن الدراهم والدنانير لا يتعينان في عقود المعاوضات، وإنما وقع العقد على مثلهما دينًا في الذمة، فلم يقع العقد على ما لا عين لمالك واحد، فيقع البيع بلا توقف.
ألا ترى أنه لو لم يجز واحد، ولم يتفرقا حتى نقد كل واحد من ماله يجوز، ولا يفسد العقد، وهذا دليل على أن العقد إنما وقع على مثلهما دينًا في الذمة؛ إلا أن كل واحد منهما صار قاضيًا ما وجب في ذمته بما غصب فإذا أجازه صار معرضًا، فيلزمه ضمانه بخلاف الفصل الأول؛ لأن هناك العقد وقع على العرضين بأعيانهما؛ لأن العرض يتعين في عقد المعاوضة، فإذا كانا لشخص واحد لم ينعقد العقد على ما مر، والفلوس في هذا نظير الدراهم، والدنانير؛ لأنهما لا تتعين بخلاف العرض.
وقال فيه أيضًا: رجل غصب من آخر جارية، وغصب رجل آخر من المغصوب منه مائة دينار، فباع غاصب الجارية من غاصب الدنانير الجارية بتلك الدنانير، فبلغ المالك فأجازه صح؛ لأن الجارية وإن تعينت في العقد؛ إلا أن الدينار لم يتعين، فلم يقع العقد على مالين لأحد؛ بل وقع على جارية مغصوبة بدنانير في الذمة، فإذا أجازه صحت الإجازة في حق البيع؛ لأن البيع قد توقف، فإذا لحقته الإجازة صح.
وأما نقد الدينار، فلا يصح إما إن كان العقد قبل الإجازة أو بعد الإجازة فإن كان قبل الإجازة عملت الإجازة فيه إذا علم المغصوب منه بأنه نقد من ماله، ويصير هو مقرضًا الدينار من مشتري الجارية، فإن المنقود قائم في يد غاصب الجارية، فهو للمجيز وهو المغصوب منه، وإن هلك في يد غاصب الجارية لا ضمان عليه؛ لأن الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء، فظهر أنه حين قبض الثمن، كان وكيلًا ببيع الجارية؛ أمينًا في ثمنها، وهلاك المال في يد الأمين لا يوجب عليه ضمانًا.
وإن كان النقد بعد الإجازة، فإن لصاحب المال أخذ ماله؛ إن وجده فيبطل النقد، ويلزم المشتري ثمن آخر؛ لأن الإجازة إذا حصلت قبل النقد، فليس ذلك بإذن في النقد؛ لأن النقد لم يكن موجودًا وقت الإجازة، ولا يدري أنه ينقد الدنانير المغصوبة، أو غير ذلك، فلم تعمل الإجازة في حق النقد، وحصل نقد الدنانير بغير إذن صاحبها، فكان له حق القبض إن وجدها قائمة، وإن وجدها هالكة فله الخيار؛ إن شاء ضمن بائع الجارية لكونه غاصب الغاصب، وإن شاء ضمن مشتري الجارية لكونه غاصبًا، فإن ضمن المشتري ظهر أنه ملك الدنانير من وقت الغصب السابق، وأنه نقد ملك نفسه، فصح التسليم إلى بائع الجارية، وصار بائع الجارية أمينًا في قبض الزيادة وإن اختار تضمين البائع رجع البائع على المشتري؛ لأن ما قبض البائع لم يسلم هنا لما استحق عليه عوضه، فاستوجب الرجوع به على المشتري؛ كما لو كانت الدنانير قائمة بأعيانها، فأخذت من يده، فإذا رجع بها سلم ذلك للبائع.
وطعن عيسى بن أبان في هذا فقال: ينبغي أن يردها على المغصوب منه؛ لأن القبض الأول كان موقوفًا، فلما ضمن المغصوب منه البائع، وقبض البدل بمنزلة قبض المبدل؛ بطل القبض الأول، وصار الثمن هو الثاني الذي يقبضه البائع من المشتري، فينبغي أن لا يسلم للبائع كما لو أخذ العين من يده، ثم رجع على المشتري.
والجواب عن هذا: أن يقال المغصوب منه لما ضمن البائع، ورجع البائع على المشتري صار قرار الضمان على المشتري، وظهر أنه كان مالكًا لما نقد؛ إذ الملك في المضمون؛ إنما يثبت لمن كان قرار الضمان عليه، وظهر أن البائع صار وكيلًا، وأن له حق الرجوع على الموكل بما ضمن؛ لأنه أمينه، وما رجع به البائع على المشتري مال الموكل، فقد ظفر بجنس حقه، فيستوفي بحقه على ما عرف.
قال محمد رحمه الله في (الجامع): رجل غصب عبدًا، فباعه من رجل بخمسمائة إلى سنة، والعبد معروف للمغصوب منه، فقال المغصوب منه للغاصب: إنك قد اشتريت مني هذا العبد بألف درهم حالة وقبضته مني، ثم بعته من هذا الرجل بخمسمائة درهم إلى سنة، وقال الغاصب: ما اشتريته منك قط، ولكنك أمرتني فبعته منه بخمسمائة إلى سنة بأمرك فالعبد قائم عند المشتري، فالعبد سالم للمشتري؛ لأنهم اتفقوا على صحة شرائه ولا ضمان على الغاصب بسبب الغصب؛ لأن تعذر الرد على المالك كان لمعنى من جهته، وهو إقراره بالبيع من الغاصب، ويستحلف الغاصب بالله ما اشتريته؛ لأن المغصوب منه يدعي عليه الثمن بسبب صحيح، وهو ينكر، فإن حلف لا شيء عليه وإن نكل كان عليه الثمن الذي ادعاه المغصوب منه، وإن كان العبد قد مات عند المشتري، وباقي المسألة بحالها؛ فهاهنا يحلف كل واحد منهما، وعلى دعوى صاحبه أما يحلف الغاصب فلما مرَّ، وأما يحلف المالك بخلاف الفصل الأول.
والفرق وهو: أن الغاصب لا يدعي على المغصوب منه في الفصلين جميعًا إلا الوكالة، إلا أن الوكالة في هذه المسألة حق يلزم المغصوب منه؛ لأن في دعوى الوكالة في هذا الفصل دعوى البراءة عن ضمان القيمة؛ لأن تعذر الرد على المغصوب منه هاهنا ما كان لمعنى من جهته، وهو إقراره بالبيع، وإنما كان لأجل الموت، فإن تسبب موت العبد بعجز الغاصب عن الرد على المغصوب منه؛ سواء سبق من المولى الإقرار بالبيع، أو لم يسبق، فكان ضمان القيمة واجبًا على الغاصب، فكان بدعوى الوكالة على المالك مدعيًا إبراءه نفسه عن ضمان القيمة، والمالك ينكر، فيحلف؛ أما في الفصل الأول دعوى الوكالة لا تلزم المغصوب منه شيئًا؛ لأن ضمان القيمة هناك غير واجب على الغاصب، على ما مر، فلهذا لا يحلف المغصوب منه ثمة؛ أما هاهنا بخلافه على ما مر، فإن كان الغاصب وهب هذا العبد من رجل، وسلمه إليه، ثم ادعى أنه فعل ذلك بأمر المغصوب منه، وقال المغصوب منه: بعته منك بألف، ثم وهبته، فهو على التفاصيل التي قلنا في البيع.
ولو كان الغاصب ضرب العبد، فقتله، ثم قال الغاصب: ضربت بأمر المالك، وقال صاحب العبد: لا بل بعته منك فضربت ملك نفسك؛ يحلف الغاصب أولًا، فإن نكل لزمه الثمن، وإن حلف لزمته القيمة لتعذر الرد لمعنى من جهة الغاصب؛ ثم يحلف المالك، فإن نكل بطلت القيمة، وإن حلف، فله قيمته على الغاصب، وهو نظير الهلاك فيما تقدم.
وقال فيه أيضًا: رجل أقر أنه قطع يد عبد رجل خطأ، وكذبته عاقلته في ذلك؛ يعني أن عاقلة المقر كذبت المقر في إقراره، ثم غصبه رجل من مولاه، فمات عنده، فالمولى بالخيار؛ إن شاء ضمن الجاني قيمته في ماله في ثلاث سنين، وإن شاء ضمن الغاصب قيمته أقطع، في ماله حالًا، وضمن الجاني أرش يده، وهو نصف قيمته في ماله، فإن ضمن الجاني قيمته بإقراره، فإنه يرجع الجاني على الغاصب بقيمة العبد أقطع في ماله؛ علل في (الكتاب) فقال: لأن العبد صار للقاطع بجنايته، وهذا دليل على أن ضمان الدم يوجب الملك في المضمون.
ووجه ذلك: وهو أن سبب الضمان هو القطع السابق فيستند الضمان إليه، فثبت الملك من ذلك الوقت، وفي تلك الحالة هو قابل للملك كما في ضمان الغصب، فإنه لا يتقرر إلا عند الهلاك؛ ذلك لما كان عند الغصب السابق أسند إليه، ووقع الملك في المضمون؛ كذا هاهنا، ومن المحققين من أصحابنا من قال: لا بل ضمان القتل لا يوجب الملك للضامن في المقتول؛ لأن ضمان القتل يجب مقصورًا على وقت القتل، والقطع السابق إنما يصير قتلًا وقت السراية، فيجب الضمان مقصورًا على حالة القتل، وفي حالة القتل هو غير قابل للملك لكن إن تعذر إثبات الملك في ذاته، أمكن إثباته في بدله وهو الضمان الذي على الغاصب كما قلنا في المدبر إذا غصبه من غاصبة، واختار المولى تضمين الأول؛ كان للأول أن يضمن الثاني، وإن لم يملك الأول بالمدبر بأداء الضمان لكن قبل السبب، وإن لم يعمل في حق المدبر لمكان التعذر، يحل في حق بدله، وهو الضمان الواجب على الغاصب؛ كذا هاهنا، ثم أوجب الضمان على الجاني هاهنا في ماله؛ لأنه وجب بإقراره، والإقرار حجة قاصرة، وإن كانت الجناية ثابتة بالبينة فهذا وما لو ثبتت الجناية بإقرار الجاني سواء، إلا في فعل واحد، وهو أن ما يجب على الجاني في فصل الإقرار يجب على عاقلته في فصل البينة؛ لأن البينة حجة في حق الناس كافة، فثبتت الجناية في حق العاقلة؛ كما ثبتت في حق غيرها.
رجل غصب من آخر شيئًا وغيبه، فطلب المغصوب منه من القاضي تضمينه؛ ذكر في بعض الكتب أن القاضي يتلوم في ذلك يومين أو ثلاثة رجاء أن يظهر ولا يقضي بالقيمة في الحال.
وذكر في (السير الكبير): في باب ما لم يبطل فيه سهم الفارس أن القاضي يقضي بالقيمة قبل التلوم؛ قال شيخ الإسلام في شرح (السير): ما ذكر في (السير) جواب الجواز يعني لو قضى بالقيمة قبل التلوم يجوز، وما ذكر في بعض الكتب جواب الأولوية؛ يعني الأولى أن يتلوم القاضي، ثم يقضي بالقيمة، والله أعلم بالصواب.
وقد تم كتاب الغصب من المحيط بحمد الله تعالى.